تمهين المعلمين: مقاربة سوسيولوجية

التاريخ 2016/1/31 21:04:57 | القسم : مــلــف الــعــدد

لقد مكنتنا العودة إلى الأدبيات إلى تحديد اهتمامين اثنين أساسين للمقاربات السوسيولوجية للتمهين.
الاهتمام الأول: مفهوم المهنة والمهنية
الاهتمام الثاني :مفهوم التصورات للحرفة ومفهوم الهوية المهنية
- مفهوم المهنية
جاء في لسان العرب لابن منظور المصري الافريقي في المجلد الثالث عشر و في الصفحتين ( 425، 424) "فعل مهن ،يمهن إذا عمل في صنعته والمَهْنَةُ ...أو الِمهْنَةُ أي الحذق بالخدمة والعمل ونحوه..." أما اصطلاحا فقد أبرز(بلان97 ,Blin) أن مفهومي مهنة وحرفة لهما أصل مشترك دعمه ما ورد في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية (بدوي، 1988) وصف اعتبر المهنة : " مجموعة أعمال مترابطة ومتميزة يمتهنها الفرد في المهن العليا غالبا" ويمكن إيجاز خصائص الأعمال التي تتصف بصفة المهنة في ما يلي :
• أولا: وجود نظام عام للمعرفة النّظرية لهذه الأعمال يعتبر مصدرا رئيسيا لاكتساب المهارة فيها.
• ثانيا: تقبل المجتمع بأفراده ومنظماته لسلطة أو لنفوذ أو لخبرة أعضاء والاعتراف بمهاراتهم.
• ثالثا: وجود قواعد غير رسمية تهدف إلى إكساب أعضاء المهنة الاحترام كالألقاب المختلفة ( في المجتمع) التي تحميهم من ادعاء من لا يملكون المهارة الرسمية المطلوبة في الانضمام الى المهنة".
من هنا برزت ثنائية فكري، يدوي وتم التمييز بين ما هو مهنة وما هو حرفة، بين مهن حرة تدرس بالجامعات يعد إنتاجها عائدا إلى الفكر أكثر منه إلى اليد وبين حرف تشمل فنون الميكانيك حيث تعمل الأيدي أكثر من الفكر (دوبار Dubar, 91) .
أما في المجتمعات الأمريكية وفي الستينات تحديدا وصل مفهوم المهنة إلى أعلى مستوياته حيث ارتبط بالغيرية والقدرة على وضع المعارف العلمية في خدمة حل المشكلات الإنسانية المحترفة (بوردنكل93Bourdoncle ) .
هكذا إذن اعتبر جانبان أساسيان في اعتبار حرفة ما مهنة وهما :
• التعامل مع معارف من مستوى راق.
• حصول فائدة اجتماعية متفق حولها.
وفي هذا المستوى من التحليل يمكن أن نذكر بما أجراه (2005,Dahri) من مقارنة بين مفهومي الحرفة والمهنة نبرزها في الجدول التالي رقم(3):
الجدول رقم (3): جدول مقارن لخصائص كل من الحرفة و المهنة
حرفة مهنة
تصف نظاما اجتماعيا تكون فيه المكانة موروثة تصف نظاما اجتماعيا يعتمد فيه المكانة على كفايات مميزة
تخضع مراقبتها للتراتيب والمعايير تخضع مراقبتها لمعايير معقلنة
يوافقها مصطلح المهمات المفروضة، الموصى بها يوافقها مصطلح النشاط المحيل إلى المكون الفكري للفاعل
ترتكز بالأساس على معرفة عملية اكتسبت عبر تكوين قصير أو تجربة ميدانية ترتكز على تقنيات مؤسسة على معرفة نظرية اكتسبت عبر تكوين إشهادي وفي مؤسسات أعدت لحماية قيمة الشهادة
لا وجود لمرجعية أو استراتيجية وموقف واضح تتمتع بأخلاق مهنية خاصة ومرجعية لأنشطتها
ذهب عديد الباحثين المنطلقين من مقاربات بنيوية وظيفية إلى هذا التحديد المنطلق من هذه الجوانب (جودلاي (84 (Jodelet, من ذلك ما ذهب إليه (ليموسي89Lemosse,) من اعتبار الخصائص مرجعا لمقاربة تجعل من المهنة نشاطا فكريا يحرك مسؤولية الفرد الذي يمارسها .
فالمهنة نشاط عالم وليس روتينيا آليا تكراريا بل هو عمل فني تكتسب تقنيته عبر تكوين طويل في فريق منظم متسق داخليا ينعكس أثره على المجتمع.
لكن عرفت هذه المقاربة نقدا من قبل التفاعليين الذين اقترحوا تحاليل ومقارنات بين أنشطة لها مكانة المهنة مع أخرى لا تتمتع بها(بيرونود93,Perrenoud)
وأجروا مقارنات بين رمز المهنة وبين جل الأبعاد ذات القيمة فتوصلوا إلى ما يلي:
ليست المعرفة ذات المستوى الراقي وليست الغيرية هي التي تجعل من النشاط مهنة بل قدرة الأفراد على إقناع الآخرين بها واعترافهم بأهميتها وقدرتها على الإضافة من أجل المجتمع (ماروا وكاتونار2002Maroy et Catonar,).
لقد توجه هذان الباحثان بنقد أصحاب المقاربة الوظيفية في ما تعلق "بالمغالطة بمفهوم المهنة" وأكدا على تمييز بين الرمز الموصوف إيجابيا في التواصل العادي والمفهوم الذي تمت أجرأته بلغة علمية.
وعلى هذا الأساس وحسب هذه المقاربة، تعد المهنة نشاطا يقدره المجتمع. وبالتوازي مع هذه الرؤية الثابتة نسبيا لمفهوم المهنة نشأت مقاربة أكثر دينامية تمحورت حول مفهوم التمهين الذي سنحاول تحليله بعدئذ لنتعرف عن كيفية توظيفه فيحرفة التعليم.
برزت انطلاقا من خصائص المهنة (ليموسي وآخرون 1989 Lemosse et al,) عديد النماذج لتصنيف المهن فكانت في أغلب الأحيان تتأرجح بين حرف التنفيذ(الأقل مهنية) وحرف المبادرة وأخذ القرار وحل مشكلات معقدة تتطلب معرفة راقية(الأكثر مهنية).
ذهب( بيرونود 93Perrenoud,) إلى تصنيف يشير إلى مهن صغرى (التعليم والعمل الاجتماعي) ومهن كبرى(الطب والمحاماة) واهتم (ويقز 71Wigs,) بسرعة التمهين وصنف الحرف إلى بطيئة الانتقال وأخرى سريعة.
1- مفهوم المهنية (professionnalité)
يرى كل من (بوردنكل وآخرون 95et al,Bourdoncle) أن مفهوم "مهنية" قد نشأ في إيطاليا في أواسط الستينات لوصف الخاصية المهنية لنشاط اقتصادي ما.
ولقد ولج مصطلح" مهنية" المعجمية الفرنسية إلا أنه بقي غامضا غير مستقر أمام عديد التعريفات المقترحة . هكذا بدا من خلال تحليلهم أن مصطلحي المعارف و الكفايات شكل نقطة التقاء وتقارب بخلاف مصطلح المهنية الذي يحيل إلى الطبيعة الراقية أو المعقلنة للمعارف والقدرات الموظفة في الممارسة المهنية . فمتى نقول مثلا أن فلانا مهني ؟
هل يقصد بذلك أي إنسان يمارس نشاطا في إطار مهنة أي حرفة حصلت على مكانة مهنية ؟
يمكن اعتبار الفرد مهنيا على ما يبدو انطلاقا من مؤشرين اثنين متكاملين:
- أن يقيم الفرد الدليل على اكتسابه معارف ومهارات ومواقف متعلقة بالمهنة حسب مرجعية ما .
أن يمارسها فرد زود بكفايات خصوصية متخصصة (آلتي94 Altet ,) اكتسب سيطرة على النشاط واستجاب للمعايير والقواعد الأخلاقية للمهنة في إطار مهنة معترف بها.
وعلى هذا الاعتبار يمكن أن توصف بكونها حالة الفرد الذي اكتسب مكانة وقدرة على الفعل التربوي والتعليم بكل استقلالية ومسؤولية (Perrenoud,96).
2 - مفهوم التمهين
جاء في القاموس الحديث للتربية (لوجاندر Legendre 1988) تعريف لسيرورة التمهين ولم يتعرض لمفهوم التمهين أو إلى الفعل المشتق منه . تشير السيرورة الموصوفة إلى أبعاد خمسة هي:
- مجموعة عمليات تعمل على حل مشكل اجتماعي.
- نمط المعارف وضرورة التكوين.
- كفايات معترف بها رسميا.
- نظام معايير وقيم.
- اعتراف اجتماعي.
يندرج هذا المرجع في إطار المقاربة السوسيولوجية الوظيفية التي تتساءل عن الظروف والسيرورات المساعدة على ارتقاء الحرفة إلى مكانة المهنة على قاعدة إعزاءات خارجية ذات طابع معياري.
ويرى (بيرونود 93 Perrenoud,) أن أي تكوين أساسي يمكن أن يفضي إلى بناء هوية مهنية إذا ما نشأ فكر الانتماء لأسرة التعليم و برزت قيم وثقافة متجهة نحو التفكير وحل المشاكل.
لذلك نراه يصف التمهين بكونه ارتقاء إلى مسؤولية واستقلالية في حل المشكلات المعقدة والمتنوعة بالوسائل الخاصة والمتاحة مراعيا في ذلك الأهداف وأخلاق المهنة.
يؤكد Perrenoud,93)) على خصائص تتعلق بالتمهين مبرزا أهمية التفكير في الممارسة،في صلات العمل و هامش المسؤولية والاستقلالية ومذكرا بضرورة الشراكة والتعاون والتفاوض.
أما (بوردنكل 2000 Bourdoncle, ) فيرى أنه يمكن التوظيف في أربعة مواضع لمحاولة الإحاطة بمفهوم التمهين وهي :
1. النشاط ومجموعة الأفراد الذين يمارسونه. إذا كان النشاط مهنة وليس حرفة وكانت لمجموعة الأفراد حظوة اجتماعية بسبب الخدمة الاجتماعية المسداة والمعارف الراقية التي يستنفرونها وهو ما يصفه (بوردنكل 2000Bourdoncle,) بتمهين النشاط .
أما بالنسبة للفريق الذي يمارس النشاط فيصف التمهين بكونه دينامية تلتزم بها مجموعة من أجل الدفاع عن المهنة وتطويرها.
2. المعارف والقدرات التي يستوجبها النشاط. يتمثل التمهين في سيرورة تطوير القدرات وتخصيص المعارف الموظفة في ممارسة المهنة وهو ما يؤدي إلى أكثر تحكم وأكثر جدوى للفرد (بوردنكل 93 Bourdoncle ,).
3. الفرد الذي يتابع تمهينا تتطور سيطرته شيئا فشيئا ويستجيب للمعايير المتفق في شأنها جماعيا فيتابعون سيرورة اكتساب(معارف،مهارات، مواقف مهنية في وضعيات حقيقية) ويكتسبون هوية مهنية تبنى تدريجيا من خلال توحد في الدور المهني(بوردنكل 2000 Bourdoncle , ).
4. التكوين: يتمثل التمهين في تلك السيرورة التي بواسطتها يوجه التكوين الأساسي والمتواصل بقوة إلى النشاط المهني (محتويات ومكونين) والذي قد يؤدي إلى اكتساب القدرة على ممارسة نشاط اقتصادي محدد.
كما يفترض التمهين نمط انتداب من خلال الانتقاء ( وهو ما يجري من اختيار واختبار تقني نفسي لدخول معاهد المعاهد لتكوين المعلمين مثلا) وجهازا تكوينيا و(برامج علمية، بيداغوجية، قانونية، ثقافية، اجتماعية، رياضية) مدعما لنموذج مساعد على بناء هوية مهنية واعتراف اجتماعي بالشهادة ( شهادة التخرج برتبة معلم أول من المعاهد العليا منذ التسعينات) .
هكذا إذن ومن خلال هذه المواضع تبرز ثلاثة أوجه متكاملة،هي:
- وجه تمحور على مؤشرات وأنشطة تؤدي إلى الاعتراف بالحرفة كمهنة من خلال مؤشرات(الحظوة الاجتماعية، الخدمات المسداة للمجتمع، الأخلاق المعايير، الطبيعة الراقية للمعارف...).
- وجه متمحور على الفرد الذي يسيطر على المعارف و يتجاوب مع المعايير والقيم الأخلاقية.
- وجه يدرك كسيرورة بناء للمعارف وتعميق للكفايات الضرورية لممارسة الحرفة (لانق 96Lang , ) وتعود إلى:
- معارف ومهارات خاصة بالنشاط المهني.
- أفراد في طريقهم للاكتساب والخبرة.
- أفراد ذوي جدوى ونجاعة .
- معارف الممارسة الموضوعية القابلة للتمرير.
هذه مكونات أساسية في سيرورة التمهين ساهم عديد الباحثين بوجهات نظرهم فيها وألقوا السؤال التالي : إلى أي مدى يستجيب التعليم لمثل هذه المؤشرات؟
لاحظ (فان دان ماران93,Van der Maren) أن ممارسة الحرفة محاط بعديد المعايير والتعليمات والبرامج والقوانين بينما لا يتمتع المعلمون بهامش من الاستقلالية والمسؤولية في المهنة.
لقد أدت صعوبة إضفاء مكانة للمهنة التعليمية في جل أبعادها إلى استعمال عديد الأوصاف والنعوت من بينها اعتبار التعليم نصف مهنة أوهي في طريق التمهين(90Goodlad , ;93Perrenoud,).
أما (98Lessard et al, ) فتوصلوا إلى تجاوز النظرة البنيوية الوظيفية التي قلصت التمهين إلى مجموعات نعوت وأوصاف .
لذلك أجمع هؤلاء الباحثون(Cattonar et al, 2001, p13) على اعتبار مصطلح المهنة بناءا اجتماعيا "وواقعا ديناميا مؤسسا على الأفعال الجماعية لفريق بنيت هويته من خلال أفرقة أخرى فاعلة ومع دوائر مسؤولة".
كما يؤكد هؤلاء المتابعون أن µالتوجه الحالي للبعد السوسيولوجي للتمهين يتمحور حول مسألة بناء تصورات إيجابية لحرفة التعليم وبناء "هوية مهنية" تعد بناء لهوية اجتماعية ولاستقلالية أثرت فيها سيرورة مؤسسة وترشيد لنشاط أو ترقية لفريق ممارسين في المنظومة التربوية وفي المجتمع بصفة عامة.

3 - التمهين وتصورات المعلمين للحرفة:
لما كانت متابعة التحولات التي يمكن تمريرها أي مهنية التلميذ-المعلم أثناء التكوين الأساسي أمرا متأكدا في بحث كهذا، بدا من الوجيه الاعتماد على مفهوم التصورات مادام هذا الأخير قد يكون ميسرا لوصف صلاتهم الجديدة مع جل عناصر السياق.
عند تأويل الواقع سنحاول إبراز الفهم الذي سنحتفظ به في بحثنا هذا لمفهوم التصور وسنتساءل: لذلك سنحاول مساءلة الأدبيات أملا في تحديد مفهوم إجرائي عن التصورات والهويات المهنية.
1.3- التصورات والمعارف
أورد قاموس (لاروس92Larousse , ) تعريفا للتصور Conception)( جاء فيه ما يلي:" التصور هو الكيفية الخاصة التي نتمثل بها أنفسنا ونتوقع بها شيئا" ... " نفهم بها، نحصل بها على فكرة" ( ص 250).
أما القاموس الموسوعي الفرنسي لسنة 2000 ( ص 1351) فقد أورد في تحديد يناسب السياق ما يلي: "التصور هو عملية تكوين فكرة عن شيء بصفة ذهنية فهو "عملية إدراك بواسطة رسم أو علامة أو رمز أو هو صورة ، Représentation)) وعلامة تمثل ظاهرة أو فكرة أو هو صورة ذهنية تسمح لفرد أو لجماعة فهم الواقع والتموقع فيه والتكيف معه فهي توجه الفعل والعلاقات الاجتماعية و تنظم التواصل مع الآخر"(Rouiller, 2005) .
انحدر هذا المفهوم من تصور (concevoir)أي تمثل الشيء بواسطة الفكر، كون صورة، في ذهنه. يلخص هذا التعريف الاشتقاقي اللغوي مفهوم التصور في : (عملية ذهنية، خاصة، لإدراك أو تمثل صورة لشئ أو لواقع ...). اهتم الفيلسوف الألماني (كانط (Kant) 1724/1805 ) بمفهوم التصور ووصله بالمعارف ( مواضيع معرفتنا ليست إلا تصورات) "لتعرف يجب عليك أن تهتم بالموضوع وبالفرد الذي تدرسه". عمق الفيلسوف (توزي 99Tozzi , ) تساؤله عن التصورات فاعتبرها انخراطا فكريا ووجدانيا مع منظومة أفكار ، صور، قيم يبنيها الفرد بالتدرج عند تأويل الواقع . نشأت فكرة التصورات في الحقل السيكولوجي عند ( موسكوفيسي Moscovici) الذي أرجع نشأتها إلى (weber,1864-1920(الذي يؤمن ببناء الفرد الفاعل للتصور المتقاسم (Partagé).
يعني التصور عندهم طريقة في رؤية الشيء والحكم عليه فهو رابط رمزي يجمع بين العالم الذهني للفرد وبين العالم الخارجي عندما يتواصل الفرد مع الآخر فيستنجد بوجهات نظره، بأحكامه، باتجاهاته، باعتقاداته وبخطاطات تفكيره الموجهة لطريقة التشفير والمؤثرة على طريقة فعله وتصوره.
وصف (بدوي،1986)" التصور إدراك عقلي و معرفة لا تدرك مباشرة بالحواس ولكنها نتيجة لإعمال الفكر". أما في مجال التربية والتعليم فأوردت ( شارليي ,96Charlier ) في بحث حول "التعليم وتغيير الممارسة التعليمية مفاده أن التصور والتمثل ينتميان إلى البناءات الذهنية التي يستنفرها الأفراد للتعلم( بورجوا ونيزي 96 Bourgeois,) لفهم وضعية أو لحل مشكل أو لتبادل الأفكار ضمن فريق( موسكوفيشي 61 Moscovisci,).
فعلى هذا الأساس وبهذا المعنى الذي اعتبر التصورات بناءات ذهنية يكون لها جانبان أحدهما ثابت وآخر دينامي.
يتعلق الوجه الدينامي بسيرورة البناء أما الوجه الثابت فهو ناتج عنها وحاصلها وتمنح هذه الخاصية في حقيقة الأمر تلك التصورات وتلك التمثلات مكانة المعارف. تعود التصورات إذن ومهما كان المجال إلى التساؤل عن نمط معرفة ووضع مشكلات متعلقة بصلات الفرد بالمعرفة وبالواقع( شارليي 89Charlier,).
يمكن القول من هذا المنطلق أن أي فرد يمسك بتعقد هذا العالم من خلال منظومة تصوراته أي" من خلال ناتج وسيرورة أي عملية ذهنية يعيد بها فرد أو مجموعة بناء الواقع المعيش ويسند له دلالة معينة"..(ابريك 94Abric,).
يرى (Abric) أن التصور يشكل نموذجا ذهنيا يجمع بين وحدات لا تتجزأ و بين تجمعات معارف قابلة للاستنفار. تعترضنا في الأدبيات كلمات أخرى قريبة الدلالة من تصورات ومن تمثلات مثل معتقدات، نظريات شخصية، نظريات ضمنية... يبنيها الأفراد شعوريا أو لا شعوريا إلا أن تلك الدلالات قد ترتبط بنمط معارف علمية وغير علمية قد تكون معتقدات أو نظريات شخصية.
تؤكد السيكولوجيا العرفانية(معالجة المعلومات) أن مصطلح تصور تواتر في سلسلة من الدراسات في ابستمولوجيا العلوم حيث تناولته تعلمية المواد عند اهتمام بحوثها بتفاعل المتعلم مع المعرفة التي قد تشكل طبيعتها عائقا ابستمولوجيا(جيوردان 94Giordan,). لقد مكنتنا إضافات علم النفس المعرفي من موقعة الفرق الذي ندركه بين تصور وتمثل في إشارة إلى الأعمال المتعلقة بالذاكرة الإنسانية (تخزين المعارف، الوسائل التي نعتمدها لاستدعائها أو لتنشيطها أثناء السيرورات المعرفية وهو ما يذكرنا بالتصور الحاسوبي الرمزي الذي يقارن بين الدماغ الإنساني والحاسوب.
ونميز هنا بين جزءين كبيرين في الذاكرة الإنسانية:
- الذاكرة طويلة المدى التي تجمع فيها كل معارفنا وتتسم بشيء من الثبات في الزمن.
- الذاكرة قصيرة المدى والمسماة أيضا بذاكرة العمل أين تحفظ المعلومات بصفة وقتية أثناء إجراء المعالجة فقط .
هكذا إذن تدمج سيرورة بناء التصورات بالضرورة وجهات نظر موجودة مسبقا وتسهم في تغييرها المحتمل(بورجوا ونيزات 92Bourgeois et Nizet,). تمثل وجهات النظر والتصورات Conceptions)( موضوع تساؤلنا إذن بناءات ذهنية تعتبر ناتجا وشكلا من أشكال المعرفة وجب تمييزها عن بناء ذهني آخر بني في نفس الظروف له وظيفة خصوصية هي "التصورات الاجتماعية" حسب(موسكوفيشي61Moscovisci,).
2.3-التصورات الاجتماعية ووظائفها
يرجع الاهتمام بدراسة التصورات الاجتماعية إلى تقليد أوروبي سوسيولوجي حيث يعود إدماج هذا المفهوم إلى عالم الاجتماع الفرنسي (دوركايم Durkeim ) في أواخر القرن التاسع عشر أما التيار الذي ركز على التصور الاجتماعي فقد دشنه (موسكوفتشي (1961) Moscovisci) .
يذكّر (ساسي،ن ،1996،ص 159) بما ذهب إليه (Abric,93) الذي اعتبر "التصور مجموعة منظمة من الآراء والاتجاهات والمعتقدات والمعلومات حول موضوع أو موقف معين أو علاقة وهو أيضا نتاج وسيرورة لنشاط ذهني يصف الفرد أو مجموعة من الأفراد بواسطته الواقع ويعطيه مدلولا معينا" .
يعتبر(جودلي89Jodelet,) التصورات الاجتماعية نمط تفكير إجرائي عملي موجه نحو التواصل وفهم الآخر والتحكم في الواقع الاجتماعي والمادي والمثالي وشكلا من أشكال المعارف المبنية والمتقاسمة اجتماعيا وجهتها عملية وهدفها بناء واقع مشترك لمجموعة اجتماعية.
فهي إذن معارف بنيت في حياة الجماعة لتسهم في تعديل التفاعلات بين الفرد ومحيطه المادي والإنساني فهي إذن ناتج وسيرورة لنشاط تملك (Appropriation) الواقع الخارجي وبناء سيكولوجي اجتماعي له. فلئن كان للتصورات الفردية والتصورات الاجتماعية نقطة التقاء في كونهما بناءات ذهنية في شكل معارف غير علمية (شكل خاص لمعرفة بنيت أثناء تفاعل الفرد مع محيطه أدمجت التاريخ الماضي ،المستقبل ونوايا الفرد...) كانت مثبتة في الذاكرة طويلة المدى فإنه يتأكد التمييز بين :
- التصورات الفردية.
- والتصورات الاجتماعية المتقاسمة.
يعتبر (Abric, 94) التصور جهازا مزدوجا يحوي مركزا (نواة) يحيل إلى قيم ومعايير تنظيم اجتماعي معين تحيط به (المركز) جوانب (Péripheriques) تحيل إلى العلاقة مع الواقع لتمتص عدم التوافق الذي قد يطرأ بين الواقع و النواة المركزية.
تمثل التصورات الاجتماعية معرفة حس مشترك ، معرفة ساذجة نابعة من التجربة ومن التفاعلات بين الأفراد فهي إذن معرفة تناقض المعرفة العلمية (Jodelet, 2003) إلا أنها تشكل في نفس الوقت موضوع دراسة له من المشروعية ما يجعل الباحثين يهتمون به مادام الاهتمام بها يسمح بفهم السيرورات المعرفية (استيعاب المعارف أو التفاعلات الاجتماعية) .
شرح القاموس الأساسي لعلم النفس(Grand Dictionnaire de psychologie,2004 ,p 668) التصورات فجاء فيه ما يلي:
تشير إلى : " نماذج مستدمجة ( بناها) الفرد في محيطه ومن خلال تحركه ونشاطه فيه".
تلك النماذج هي بمثابة أدوات يستعملها ذلك الفرد كمصادر معلومات وكوسائل تعديل وتخطيط لتصرفاته (Bloch et al , 97 , p 1108) فهي شكل من أشكال المعرفة العامة التي بنيت اجتماعيا وتم تقاسمها.
تساعد التصورات الفرد على تنظيم وتأويل العالم المحيط به وتحدد تواصله وتصرفاته وتفضي إلى بناء رؤية معينة عن الواقع المشترك أو عن ثقافة معينة .
لذلك يستنجد الباحثون بمفهوم التصورات ويعملون على أجرأته لمتابعة الصلات المتعددة التي يرسيها الفرد مع السياقات المختلفة وبالتالي قراءة الخصائص والمميزات.
يمكّن توظيف التصورات إذن من تحقيق وظائف مختلفة ذكّرت بها ((Griss,2006 و نشير إلى أهمها في الجدول التالي رقم (4)
الجدول رقم (4): من وظائف التصورات
نمط الوظيفة يمكن من:
وظيفة المعرفة فهم و تفسير الواقع
وظيفة متعلقة بالهوية التوحد في المجموعة التميز و التفرد عن المجموعات
وظيفة توجيه
- تحديد الغاية
- دور تقريري
- دور استباقي - اختيار الأهداف و الوسائل المساعدة
- تحديد التصورات المقبولة
- توقع نتائج تدخلاته و أفعاله
- انتقاء المعلومات المساعدة على إثبات التصورات
وظيفة تبرير تبرير سلوكاته
سنحتفظ في هذا البحث بمفهوم التصورات الفردية والاجتماعية مادمنا سنتابع تصورات التلامذة-المعلمين للحرفة للوقوف على مستوى التمهين وسنحاول قراءة ملامح الهويات المهنية من خلال الصلات التي أرسوها مع المعارف المهنية، مع المتعلمين والمعلمين ومع ذواتهم .
3.3- تصورات المعلمين للحرفة
ننطلق من هنا و نشير أننا سنعود إلى تيار البحوث حول تفكير المعلمين لتحديد بواكير الاهتمام بتصورات المعلمين أي بعد ظهور خطاب أبرز فوائده ضمن مجموعة مفاهيم( معتقدات، إدراكات ،معارف، أحكام... ) (كالدرهاد96 , Calderhead).
أضف إلى ذلك ما قدمه كل من علم النفس العرفاني وعلم الاجتماع من تحديد لثلاثة مفاهيم أساسية هي : المعارف وجهات النظر والتصورات للتعليم) .
تتمتع هذه التصورات ( شارليي89 ، بلان 97، لوقران 2000،فرايس 2000،قوهيي وآخرون2001) بأهمية عالية في منظومات التكوين الأساسي والمتواصل لتنوعها لدى مختلف الفاعلين (تلامذة-معلمون،معلمون مجربون معلمون مكونون مساعدون بيداغوجيون، متفقدون-مديرو تربص...) لأنها تشكل في الآن نفسه محركا للفعل وللتواصل (شارليي89Charlier,).
تبرز هذه الإشكاليات المتعددة والمشيرة إلى ضرورة العودة إلى التصورات المهنية أهمية تمهين المعلمين و بناء الكفايات (بايوكاس96 ,Baillauques) إذا ما تدخل العمل بالتصورات على المستوى البيداغوجي.
قارب كل من ( بلان 97 Blin, ، فرايس2000Fraysse, ، قوهيي 2001Gohier,)
التصورات المهنية والممارسات والهويات المهنية بهدف دراسة علاقاتها ببعضها أثناء التفاعل في سياق العمل فتوصلوا إلى تحديد مجموعة من المقترحات المساعدة على قيادة سيرورة تمهين للحرفة .
ذلك ما أبرزه مثلا (فرايس 2000Fraysse,) من " صلة قوية بين التصورات للحرفة وفهم سيرورة بناء الهويات المهنية أثناء التكوين الأساسي ".
تمثل التصورات التي نعنيها في هذا البحث وجهات النظر الفردية التي تشير إلى نمط خاص لمعرفة تبنى أثناء تفاعل الفرد مع محيطه تدمج التاريخ،الماضي، المستقبل ونوايا الفرد التي تدرك كتمثلات للمهنة وللأنشطة المتعلقة بها.
ولما كانت تلك التصورات للحرفة متغيرة وسيطة أساسية في مشروع بحثنا يتأكد جمعها وتحليلها وتنظيم Abric, 94)) محتواها احتفظنا بإطار مرجعي اعتمد على نماذج المعلم المهني لكل من ( باكاي 94Paquay, ولانق96 و99Lang,) لعله يساعدنا على فهم أعمق لملامح الهوية المهنية.
4 - الهوية المهنية للمعلمين
نهتم في هذا المستوى التحليلي بمفهوم الهوية المهنية الذي صار مشغلا من مشاغل الأدبيات المتعلقة بالتمهين في عصرنا أكدت عليه دراسات كل من (Dubar91 ; Barbier,1200 (Gohier, 2001 ; Cattonar et al,الذين انطلقوا من مسلمة مفادها أنه مادام لكل مهنة أسرة مهنية وقطاع فإن لكل منهم وصفا خاصا لثقافته، لطرائقه، لخطابه وشكلا مميزا في عرض مشاكله وحلها.
لذلك تعمقوا في المسائل التالية:
- ما الذي يميز المعلمين كمجموعة اجتماعية-مهنية؟
- ماهي المعارف المهنية التي تستوجب إعادة نظر؟
- ما الذي يميز خبراتهم وكفاياتهم؟
- كيف تجري سيرورة الإنماء المهني لديهم؟
هذه أسئلة حاولت بعض البحوث والأعمال المتعمقة في إشكالية الهوية المهنية للمعلمين الإجابة عنها. تتأكد إذن محاولة تحديد مفهوم الهوية المهنية ومكوناتها لدى المعلمين من تصور للمهنة للآخر وللذات عسانا نتحسس ملامحها لدى متعلمي الحرفة الذين عاشوا تجربة التأهيل بالمعاهد العليا لتكوين المعلمين.
1.4. مفهوم التصورات للذات
لما كان لزاما علينا أن نتعرف إلى التصورات التي يحملها التلميذ-المعلم المتربص عن الأدوار التي يلعبها، عن الحرفة التي يتدرب عليها ارتأينا أن نعتمد على مفهوم الذات الذي يحيل بالأساس إلى الشعور بالهوية.
يذكر(Legendre ,1988 ,p111) بتوصيف (آلبورت 1961Allport, ) الذي اعتبر مفهوم الذات صورة متعددة الأبعاد تضم مجموع الادراكات والاعتقادات التي يكونها الفرد عن شخصه إضافة إلى تلك الاتجاهات التي يبنيها في الإطار الاجتماعي .
يعدّ التصور للذات بناء مفهوميا متعدد الأبعاد (الوجدانية، المعرفية، الأكاديمية،...) المتفاعلة باستمرار فهو سيرورة ديناميكية و ناتج عن التفاعل الاجتماعي وعن معالجة المعلومات التي أوحاها الواقع الذي ينمو فيه الفرد (Sassi , 93 ,p13).
ويضيف (Sassi, 93,p15) أن "عديد الدراسات أكدت على اعتبار تصور الذات في أي تعلم و يؤكد أن تعلم أي مادة يحكمه التصور للمهنة، التصور للآخر"،وبالأساس ذلك التصور الذي يبنيه المتعلم،عن درجة اندماجه في الفريق و عن إدراكه للأدوار المتبادلة للعوامل الخارجية والداخلية المتدخلة في أشكال صلاته بالتعلمات المختلفة.
ومادام اهتمام موضوع بحثنا متمحورا على التصورات لحرفة التعليم لدى تلامذة -معلمين متربصين وبالتصورات التي بنوها عن ذواتهم كمعلمين جدد حرّي بنا أن نحلّل مفهوما إجرائيا متعلقا بتصور الذات كتقدير الذات(Estime de soi ) الذي يعتبر مكونا من مكونات الذات وسيرورة تقييم إيجابي أو سلبي للذات مشيرا إلى "القيمة التي يمنحها الفرد لنفسه وإلى الثقة التي يشعر بها و القيمة التي يسند ها لشخصه(Legndre,1988).
2.4-مفهوم الهوية
قبل تحديد مفهوم الهوية المهنية ومحاولة أجرأته، حري بنا أن نصف دون تفصيل وإطناب مفهوم الهوية.
وصف ( المنجد في اللغة والاعلام ص ، 875 ) الهوية بكونها "حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية...".
واعتبر قاموس (516Robert, 1991,p Le Grand) الهوية "حقيقة الواحد الشبيه بنفسه".Caractère de ce qui est un (unité) ou ce qui demeure identique à soi même)). ويلاحظ بعد هذه العودة للتحديد اللغوي للمفهوم عند العرب أو الفرنسيين أنه رغم بعض الاختلافات ، فإنها تتفق في وصف الخصائص المميزة للفرد.
أما اصطلاحا فقد جاء في معجم علم الاجتماع ( بدوي 1986 ص 200) تعريف اعتبر المفهوم كتمش ووصف الهوية بكونها : "عملية تمييز الفرد لنفسه عن غيره أي تحديد حالته الشخصية...". يحيل مفهوم الهوية عند (Massonat,90) بالضرورة إلى مجموعة أسئلة عن الذات (من أنا؟)، (من أين جئت؟)، (إلى أين أتجه؟)، (كيف ألتزم بمسار حياتي؟).
يتعلق البعد الاجتماعي في الهوية للصلات التي يقيمها الفرد مع مختلف المجوعات الجالبة لثقافة(Porteuse de culture)(Gohier et al, 2001)وإلى مصطلح الانتماء الاجتماعي.
ويحيل البعد الاجتماعي للهوية إلى الخصائص الوجيهة المعرفة بالفرد خارجيا وتبرز أثر المجموعة في الفرد و تبطنه للمعايير والنماذج الاجتماعية المقترحة عليه. ذلك ما يقصد به سيرورة التوحد المولدة للشعور بالانتماء والتشبه بالفريق المهني (Identification)Tap , 1986) ) .
أما البعد السيكولوجي لمفهوم الهوية فيمنح أولوية للجوانب الشخصية المحيلة إلى الصلات الوجدانية والمعرفية التي يقيمها الفرد مع الآخرين ومع ذاته اي سيرورة التوحد الذاتي أو التفرد (Identisation) .
تتمثل الهوية إذن في المجموعة المنظمة من المشاعر والتصورات والمشاريع المستقبلية المتعلقة بالذات (Lipiansky,1990) والتي لتقدير الذات الناتج عن اعتراف الآخر بها أثر فيها.
لقد مكنتنا العودة إلى مثل هذه الأدبيات من الإشارة إلى تلك العبارات العامة الموصوفة سابقا.
ذلك ما يسّر علينا محاولات تحديد مفهوم الهوية المهنية للمعلمين.
يِؤكد (روبيتاي 98Robitaille, ) على اعتبار الهوية بناء اجتماعيا يجد جذوره في الصلات المؤسساتية المتموقعة في الزمن والمكان والمبرزة للممارسة المهنية .
تمثل الهوية عند (Barbier,1996) مجموعة مكونات أهمها:
- التصورات الإجرائية: محتويات وعي في الذاكرة، كفايات، قدرات، مهارات، معارف وسيطرة على ممارسات
- التصورات الوجدانية والاستعدادات المولدة للممارسة،(أذواق،رغبات، اهتمام) أنتجها تاريخ خاص ووراء بنائها عامل ( فاعل) تدخل في فترة ما من ذلك التاريخ.
فهي تتكون مما يقدر عليه فرد، مما يفعله وأساسا مما يعرفه وبالشكل الذي يتمثل بها الأشياء ويتمثل ذاته وبالمعنى الذي يضفيه على الأشياء ويرجعه إلى ذاته ،انفعالاته، مشاعره الإيجابية والسلبية ، وإلى حاجاته وقيمه.
هذا التصور الإدماجي للهوية يحيل إلى ما يمثل التفرد والخصوصية .
تتمتع الهوية بشيء من الاستقرار في الزمن إذا اعتبرت كحالة فرد أو جماعة (Sainsaulieu, 1986 ; Barbier,1996 ) يحتمل استنفارها في ممارسة ما وفي زمن ما وكناتج لمسار فردي يميز واقعا وتجربة عاشها الفرد في سياقات متنوعة ومواقف اجتماعية مختلفة .
وتعتبر المقاربات الدينامية للهوية سيرورةDubar ,1991 ;Gohier, 2001)) يمكن أن تتغير كلما تطورت ممارسات وتجارب جديدة.
ويرى (كاميلاري 86Camilleri , )أن الهوية بناء اجتماعي وصلة وطيدة بالزمان والمكان (تاريخ حياة وفضاء ممارسة).
فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للهوية ففيما تتمثل الهوية المهنية للمعلمين الجدد؟
لقد كانت العلاقات بين الفرد والشغل موضوع تساؤلات عديدة ودراسات مختلفة وبصفة خاصة في حقول علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع(Sainsaulieu, 1986, Phillips 1999, Tardif et Lessard).
نشير في هذا المستوى من التحليل أننا سنولي أهمية لمسألة الهوية المهنية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من مفهوم التصورات للحرفة أو "شبكة عناصر خاصة من التصورات المهنية"(بلان97Blin,).
(قوهيي،2001) حركية التصورات تلازم ويرافق الأزمات والفترات الحرجة للتغيير وإعادة النظر والتأمل.
3.4 - الهوية المهنية للمعلمين الجدد
لقد عرفت الثمانينات (80) حركة بحث مهتمّ بالهويات المهنيّة للمعلّمين منطلقة من مفهوم شمل تطوّر الذاتي والمهني فيها. اعتبر (Ferry,83) هذه الهويّة محصلة (تداول) على فضاء التكوين الأساسي وتفاعل المتكونين بالمكونين ومشاركتهم في مشاريع التعليم المتدرج .
يتعلق الأمر بالهوية المهنية عند (2005Dahri,) كلما وصف المتكون استراتيجية بيداغوجية أو تعليمية تمنحه شعورا بالرضى عن ذاته و كلما جعل من المادة التي يعلمها والكفاية البيداغوجية التي يوظفها مرجعا له.
يقترب (2005Dahri,) من (باربيي ,Barbier) فيعرف الهوية المهنية بكونها مجموع مكونات التصورات العرفانية والوجدانية التي يستنفرها المعلم في صلته بالتكوين وبالممارسة التعليمية .
في هذا الإطار اهتمت تلك الدراسات بدراسة أثر صلات الفرد بأنشطته المهنية ووصف التأثيرات والتفاعلات المعقدة التي قد تنشئ جوانب اجتماعية وشخصية تتعلق بالهوية حيث توصلت تلك الدراسات المهتمة بالهوية الى اعتبار الهوية المهنية تدقيقا للهوية الاجتماعية نظرا لارتباطها بممارسة يتقاسم ممارسوها اهتماماتها (كالعلاقة التربوية، التقييم، التعلم) .
يمكن اعتبار الهوية المهنية على هذا الأساس أثرا من آثار سياق التكوين وتجربة التعليم وما ترتب عنهما من علاقات وصلات اجتماعية مختلفة (Blin, 1997). في مثل هذا التوجه تندرج الهوية المهنية ضمن ثقافة مهنية تشمل مجموعة طرائق تفكير وفعل خاصة بفريق ما كان قد تعلمها و تقاسمها في صلته بالحرفة.
تشمل تلك الصلة النامية والمتعلقة بالحرفة بناء تصور اجرائي للذات للممارسة، لجودته ولقيمته.
1.3.4- الهوية المهنية والمعارف التعليمية
لقد أمكن لبعض الباحثين تناول مسألة الهوية المهنية من خلال معارف المعلمين التي باتت تشكل إشكالية خاصة في المسار التمهيني فتساءلوا عن طبيعة معارف المعلمين عن كيفية تطورها.
لقد أصبح الاهتمام بمسألة الهوية المهنية للمعلمين منذ سنوات موضوعا اجتماعيا هيكل الخطاب العام المتعلق بحرفتهم و احتل صدارة إصلاحات متتالية تطمح إلى التمهين، وتميل إلى القطع (Rupture) مع التصورات التقليدية للفعل التربوي .
لقد تعددت الدراسات المنادية بتجاوز ملامح المعلم الممرر للمعارف والبيداغوجي التقني، الممارس للحرفة إلى نموذج المعلم المتأمل و المفكر في الممارسة والممارس للمهنة(Profession) (Cattonar et al 2000,Lessard et al, 2003) .
لقد أصبحت الهوية المهنية إذن رهانا اجتماعيا صريحا لدى الموجهين للسياسات المدرسية التي يعتبرونها أداة تطوير للجودة و لجدوى المنظومة التربوية و إنصافها.

2.3.4- الهوية المهنية والمسار الاجتماعي
تعد الهوية المهنية من المنظور السوسيولوجي بناء اجتماعيا يلخص مسارا مهنيا منح للفرد بعد أن تبلور في إطار الصلات و التفاعل مع الآخر. وعلى هذا الأساس فهي إثبات لذلك البناء الفردي و اعتراف اجتماعي ارتبط بالزمان والمكان الذي نما و تطور فيه) (Riopel, 2006, p37. أولت هذه الرؤية للهوية المهنية أهمية معتبرة لوعي الفاعل الذي يبنيها عبر التفكير والتأمل والتحليل الذاتي والاعتراف الشخصي لمساره المهني.
هذا ما يذكرنا بالأدبيات التي تنامت حول إشكالية إنماء الوعي "بالبناء الاجتماعي في الزمان والمكان " للهوية المهنية لدى المعلمين المتربصين في التكوين الأساسي. أليس ذلك ما اهتم به (باكاي1994Paquay,) في دراساته حول استراتيجيات تكوين المعلم المهني وتنظيم التربصات المساعدة على التأمل والتفكير في الممارسة بدل الاستنساخ والتطبيق للتقاليد التعليمية.؟
3.3.4- الهوية المهنية والشخصية
تعني عبارة "شخصية مهنية" عند (Baillauques, 1996) ما أطلق عليه باحثون آنذاك هوية مهنية ناتجة عن تفاعل بين الصلات الاجتماعية وبين الشخصية وعن تمفصل بين الدور المهني والشخصية وبين قدرته على الفعل والانخراط فيه .
ولئن أولى هذا التصور للهوية المهنية أولوية لبعد الشخصية على حساب أبعاد أخرى فإن البعد الاجتماعي لازال حاضرا (Riopel, 2006, p39) إضافة إلى الأبعاد الوجدانية عند ممارسة الحرفة (اتجاهات، تصورات، العلاقات) وعند التبادل المدرسي.
لذلك يكون من الأنسب وفق هذا النموذج تكوين المعلمين الجدد تكوينا منميا للشخصية المهنية يضع في أولياته استراتيجيات تساعد على انجاز المشاريع الشخصية والاجتماعية ومعرفة الذات في سياق يدعم الثقة ويفسح المجال لأخذ القرار والالتزام.
4-4- الهوية المهنية : نموذج قوهيي و آخرون (Gohier et al 2001)
اهتم خبراء تربويون ينتمون إلى جامعات الكيباك (Quebec)بمسألة الهوية المهنية للمعلمين منذ التسعينات (1990) وارتأى هذا الفريق أن الهوية المهنية كالهوية الشاملة للشخص تدمج البعدين السيكولوجي ( الفردي) والاجتماعي للهوية الفردية (Gohier etal, 2001,p28).
ورغم هذا الارتباط بين هذين البعدين فإن هذا الفريق البحثي دافع على أطروحة سيادة البعد السيكولوجي على البعد الاجتماعي .
تتمثل الهوية المهنية عند هذا الفريق في التصور للذات، للمعلمين وللمهنة وتشمل المعارف، الاعتقادات، القيم، المهارات، الأهداف،المشاريع و الطموحات التي يعترف بها الشخص لنفسه بقطع النظر عن السياق (Gohier et al, 1998 , p9) .
هذا من جهة ومن جهة أخرى تشمل التصورات للمعلمين وللمهنة من خلال صلة المعلم، بالعمل، بالمسؤوليات، بالمتعلمين بالمدرسين وبالمدرسة.
اقترح هذا الفريق الكندي نموذجهم التفسيري لبناء الهوية المهنية على الباحثين والدارسين دفعا لتمهين حرفة التعليم ولفتوا الانتباه الى خاصيته الديناميكية والتفاعلية فاحتفظنا به لقراءة ملامح الهويات المهنية المقروءة في التصورات لتفاؤلنا فيٌ قدرته على مساعدتنا اقتراح بعض عناصر الإجابة لإشكالية هذا البحث .
وفي هذا المستوى من التحليل المفهومي ارتأينا فائدة في التذكير بأهم مكوناته في الخطاطة رقم (05) عساه يساعدنا على أجرأة أفضل.
يلاحظ إذن من خلال الخطاطة رقم (5) الملخصة لنموذج ( قوهيي 2001( Gohier, إشارته إلى أبعاد سيكولوجية وأخرى اجتماعية مندمجة وهو ما يختلف على حد علمنا مع أدبيات (Dubar,1991) الذي كان من أوائل المهتمين بمسألة الهوية المهنية والذي اعتبر الهوية المهنية هوية اجتماعية ، متمفصلة بين صفتين : ( هوية من أجل الذات وهي داخلية متعلقة بسيرورة السيرة الذاتية للفرد وأخرى خارجية من أجل الآخرين وتتعلق بسيرورة العلاقات .
اهتم (كاتونار Cattonar, 2006) بنموذج كل من (Gohier et al, 2001) واعتبر الهوية المهنية شكلا من أشكال الهوية الاجتماعية التي تجمع بين ثلاث سجلات:
- جانب التنشئة الاجتماعية المهنية الذي يفترض وجود هوية مشتركة للمعلمين يترتب عنها اعتراف بهوية خاصة بحقل نشاط المهنة التعليمية (لأجل ذلك فتحت المعاهد العليا حتى يتواجد كل المتعلمين للحرفة في فضاء واحد و في نفس الظروف يمارسون نفس الأنشطة من أجل نفس الشهادة).
- بعد فردي لهذه الهوية يترجم عن سيرورة بناء نشيط وتفاعلي خاص لكل المعلمين يستوجب درجة من القدرة على التأمل للقيام باختيارات، نقد، وأخذ مسافات.
- سياق العمل
هكذا إذن وفي نفس الاتجاه يحيل مفهوم الهوية إلى خاصيتين، أولهما سوسيولوجي والآخر سيكولوجي:
- في الحالة الأولى يقصد بالهوية تلك التي تدرك كانتماء للفرد في تصنيفة اجتماعية مندمجة في منظومة .
- أما في الحالة الثانية فهي تلك الهوية المحددة بالخاصيات التي يرى الفرد أنها منه وعليه والتي يوليها قدرا من الاعتراف(فرايس2000Fraysse, ).
تبنى الهوية المهنية إذن في سياق مهني ومن خلال المشاركة في الأنشطة المهنية
والتفاعلات المختلفة مع عناصر الفريق والفاعلين الآخرين .
ومن هنا يتبين أن خصائص سيكولوجية وأخرى سوسيولوجية تتدخل في سيرورات متعاضدة من الانتماء والتوحد والتشبه والتفرد (قوهيي2001Gohier,).
يعتبر هذا التوجه لدى هؤلاء الباحثين(قوهيي وآخرونGohier et al,) المهتم بتصورات المعلمين للتعليم وللمهنة وبالهويات المهنية عناصر عديدة لخصتها الخطاطة التالية :
يعتبر نموذج (Gohier et al, 2001) الملخص في الخطاطة السابقة بناء الهوية المهنية سيرورة دينامية وتفاعلية تميزها فترات تأمل وإعادة نظر تولدها وضعيات صراع داخلي وخارجي ميسرة لبروز سيرورات توحد في الذات (Identisation) .
تؤدي هذه السيرورة الموصوفة منذ التكوين الأساسي إلى بناء التصورات للذات كمعلم المستقبل من خلال الصلة بالمعارف، المعتقدات، المواقف، القيم، المهارات، المقاصد، المشاريع والطموحات التي يعرف بها أو يعزوها لنفسه .
أما الشكل الثاني من التصورات فيتعلق بالتصور للمهنة التعليمية و للمعلمين وبصفة أدق بالصلة التي يبنيها المعلم أو معلم المستقبل مع المكونين ومع فضاءات التكوين وهي صلة متفرعة بدورها إلى عناصر متعددة تشمل الصلة بالعمل التربوي وبالتعليم، بالمسؤوليات، بالمتعلمين، بجمهور المعلمين وبالمدرسة وتنشأ عنها عديد الأفكار والاتجاهات والقيم المترجمة في مقاربة التعليم وممارستها هذا ما سنحاول تحليله في الفقرة الموالية.
أ - صلة المعلم بالتكوين
يؤكد الباحثون أن التكوين يشكل سيرورة ميسرة لظهور ديناميكية هوية فهو استراتيجية تكيف تساعد "على تحديد موقع اجتماعي وتثمين وتقدير صورة اجتماعية للذات " (2005 Dahri,).
لذلك تعتبر الصلة بالتكوين و المكونين عنصرا أساسيا لبناء الهويات المهنية ويعد التكوين الأساسي شكلا من أشكال الجمعنة المهنية ((socialisation professionnelle يكتسب خلالها معارف المهنة ،فتبرز لدى الفرد" ذات مهنية" هيكلتها اختياراته وتجاربه الأولى في العمل التربوي Nault, 99)).
ب- صلة المعلم بالعمل التربوي
يمكن وصف المعلم بكونه مهنيا في التربية والتعليم ما داما هذان الأخيران لا يتجزآن.
فالمعلم مختص في الاستراتيجيات التربوية الهادفة إلى إنماء التعلمات والتحكم في سيرورات تعلم الآخر.
والتعليم فعل تربوي معقد، تأملي (reflexif)وتفاعلي (Interactif)يستوجب معرفة بالمحتويات ،بالقيم والأخلاق وبالمهارات البيداغوجية والتعلمية وفي بعده الاجتماعي خدمة عمومية هدفها رفاه المجموعة والإسهام في تنمية أفراد يكونون المجتمع ويقودون مجتمع الغد إلى حياة راقيةGohier et al, 2001)).
ج-الصلة بالمعارف
شاع مصطلح الصلة بالمعرفة منذ أواخر القرن الماضي حيث تواترت حوله البحوث في مجالات مختلفة واهتم الباحثون )شارلو (Charlot, 97 وآخرون بهذا الحقل البحثي فقاربوا تلك الصلة من زوايا مختلفة نشير إلى أهمها:
- فريق(Nanterre Paris) في جامعة نانتار متعاون مع باحثي (CREFF) ثمّن فيه
(بايرو (Beillerot et al, 96رغبة الفرد في بناء صلته بالمعرفة معتبرا في ذلك بعدا اكلينيكيا يكون فيه الوعي واللا وعي مجزئا للذات.
- فريق ESCOL في جامعة (St Denis Paris 8) حلّل فيه )شارلو (Charlot, 97 صلة الفرد بالمعرفة في إطار مساحة اجتماعية (Espace social)فكانت بذلك مقاربة ميزها بعد سيكولوجي- اجتماعي يجد جذوره في سوسيولوجية الفرد .
تتمثل الصلة بالمعرفة عند ( شارلو ) إذن في "صلة الفرد بالمعرفة وبالعلم ، بالذات، وبالآخرين عند مواجهته لضرورة التعلم في عالم يتقاسمه مع غيره.
- فريق انتروبولوجي ( شفلارChevallard ) من المعهد الجامعي لتكوين المعلمينIUFM ( بمرسيليا ) فضل مدخلا عبر موضوع المعرفة و صلتها بالمؤسسة الحاملة لتلك المعرفة ما دام دخول الفرد في صلته مع المعرفة رهين دخوله في صلة مع مؤسسة أو مؤسسات ".
د-الصلة بالمسؤوليات
تشكل الصلة بالمسؤوليات عنصرا أساسيا يشير إلى مسؤولية المدرسة نحو المجتمع. وتعتبر الخاصية التأملية للفعل التربوي أساسية إذ بفضلها (يفكر المعلم في وظيفته الاجتماعية والمشكلات ذات البعد الأخلاقي ويسهم في صياغة وإعادة صياغة مهنته كفاعل و ليس كمجرد منفذ) ومادام مسؤولا عن جودة المردود المدرسي ومادام التلميذ محور العمل التربوي، فحري به أن يعيد النظر في تكوينه، في معارفه وفي صقل خبراته.
ه- صلته بالمتعلمين
تعتبر الصلة بالمتعلمين عنصرا أساسيا لبناء هوية مهنية لذلك يجدر بالمعلم أن يكون على علاقة متميزة بهم حتى يساعدهم على التعلم البناء وأن تكون له القدرة على إرساء علاقات جيدة مع زملائه ومع فريق المهنة فيسهم معهم في تحديد الأهداف للمشاريع المشتركة في إطار الحوار والعمل ضمن أفرقة داخل السياق وخارجه.
تستوجب هذه الصلة بالمتعلمين وضع التلميذ في مشروع فعلي يساعده على تحقيق استقلاليته.
إن العلاقة الجيدة مع التلميذ وإرساء المرافقة الحقيقية خير ضمانة لاكتساب المعارف والمهارات والمواقف.
و- الصلة بالمدرسة ( كمؤسسة اجتماعية)
يسهم المربي في المشروع التربوي الذي يخص مدرسته ، فهو شريك أساسي مع فاعلين اجتماعيين:
- يسهم في صياغة الغايات التربوية التي تترجم إلى خطط عمل في مؤسسته.
- يأخذ القرار بشأن التوجيهات التربوية المفصلة.
- يسهم بصفة مستمرة في إعادة تحديد المهام التي يطلبها منه المجتمع.
هكذا يبدو إذن أن تكوين مواطنين يستجيبون للغايات ذات الأولوية عنصرا أساسيا من عناصر مهنية المعلم باعتباره شريك من بين الشركاء والفاعلين الاجتماعيين .
د- الصلة بالمعلمين
يفرض موقع المعلم في السياق التربوي الدخول في صلات تشارك مع المعلمين الآخرين ألحت عليها مقاربات التمهين، فالمعلم مدعو أكثر من أي وقت مضى إلى العمل ضمن أفرقة تشاور وتعاون على مشاريع الحياة المدرسية.
لقد حاولنا لحد الآن تحليل مفهوم المهنة ومفاهيم أخرى تعلقت بها كالتصورات للحرفة ومفهوم الهوية المهنية من زاوية سوسيولوجية رغم نيتنا في إجراء مقاربة للتمهين من زاوية بيداغوجية في المقام الأول فما المقصود بالتمهين في إطارها ؟
III- تمهين المعلمين: مقاربة بيداغوجية
يرى التربويون أن سيرورة تمهين المعلمين ترتبط أكثر بالمهنية، أي بتعيين المعارف والكفايات المهنية للمعلم وبنائها من جهة والبحث عن استراتيجيات ونماذج تكوين مسهمة في إرساء ذلك التمهين من جهة أخرى(تارديف93,Tardif،باكاي 94،آلتي 96،لانق96،99 ).
يحوم هذا التيار حول نموذج المعلم المهني الذي برر اختيارنا لهذا الإطار المفهومي المتمحور على مفهوم المهنة الذي سبق أن عرضناه ووصفنا ما جاء قبله من نماذج.
تؤكد مقاربة التربويين في وصف المعلم بالمهني ومنحه خصوصيات نما الاعتراف بها. فالمعلم المهني عند( توشون Tochon,2000 ) هو ذاك القادر على إيجاد الحلول لمشاكل معقدة انطلاقا من مدونة تصورات معارف بلورها ونظمها .
لم يعد من المقبول الآن أن يكتفي المعلم بتطبيق للمنهجيات والأساليب بل فرض عليه بناء تمشيات تعلمية موجهة وهادفة ومتوافقة مع تنوع التلاميذ (مستوياتهم،ظروفهم المادية...)و تنظيم شراكة مع أوليائهم ومع الفريق البيداغوجي ( بيرونود 93Perrenoud, ).
يعدّ تمهين المعلمين إذن مسألة مهنية في المقاربة البيداغوجية التي تتمحور على أسئلة من قبيل:
- أي أولويات؟
- أي كفايات؟
- أي تكوين أساسي للمعلمين؟
- أي تصورات للحرفة؟
- أي هوية مهنية؟

د.رضا ساسي ، باحث في علوم التربية ، تونس




هذه المقالة من موقع المركز الوطني للوثائق التربوية
http://ara.cndp-dz.org

عنوان هذه المقالة هو :
http://ara.cndp-dz.org/article.php?storyid=74