التكوين الأساسي للمعلمين بتونس : تاريخ تمهين

التاريخ 2016/1/31 22:08:29 | القسم : مــلــف الــعــدد


مقدمة
إن تحليل خصائص التكوين الأساسي للمعلمين واستعراض أهم سماته عملية ليست بالهينة لأن رسم صورة عنه مرتبط بماضي التعليم وتاريخه لذلك تطلب منا الأمر ولو باختصار دراسة أهم التطورات والنماذج التربوية التي وسمت بها المحاولات التعليمية والتكوينية التي عرفتها تونس .
ولما كان هذا المقال مهتما بإشكالية التكوين الأساسي تأكد التفكير في الهيكلة النظرية الضمنية والصريحة (Schon, 96) التي تكمن وراء تاريخه فارتأينا فائدة في التعرف إلى أهم الفترات التي قد يكون لها أثر في التوجهات والخطاب والممارسة
لذلك اعتمدنا منهجا تحليليا لمختلف الوثائق والمصادر الموجهة لأبرز تحولات الخطاب التربوي ولأنماط الوعي بمسألة التربية والتكوين في تونس مكننا من ضبط بعض الفترات المميزة التي اجتهدنا في تفريعها إلى :
- فترة ما قبل انتصاب الحماية الفرنسية على تونس
- فترة الاستعمار الفرنسي
- فترة الاستقلال قبل التسعينات وبعدها
1- الفعل التربوي وعلاقته بالتكوين في تونس قبل انتصاب الحماية الفرنسية:
يستنتج المتأمّل في تاريخ تونس بروز اهتمام بالتعليم منذ العهد القرطاجي (814) ق م ويعثر على إشارات ودلالات إرساء تقاليد تربوية أكدت على تعليم اللغة في مؤسسات لاقت تشجيعا من قبل الأسر القرطاجيّة آنذاك.
تواصل هذا الاهتمام في تونس الرومانية وانتشر في جلّ المدن و بقيت قرطاج في ذلك العهد عاصمة فكريّة وثقافية يؤمّ جامعتها طلبة من كل الولايات الافريقية ، يدرّسهم أساتذة تمتعوا بأرفع الأجور آنذاك .
لقد كان أثر الثقافة اليونانية حاضرا في مجال التربية والتعليم في أبناء تونس الرومانية، فهم من استعار مصطلح البيداغوجيا « Paidea » من اليونانيين وكرسوه وهم الذين وظّفوا ازدواجية اللغة ومكّنوا أبناءهم من أستاذين أحدهما يدرّس اللاتينيّة وآخر يعلّمهم اليونانية في مرحلتي الثانوي والعالي الذي ساد فيه تعلّم الخطابة.
لقد أحدث الفتح الاسلامي في إفريقية (القرن السابع الميلادي) تغيرات في مجال التعليم فنشر العلم وتخرج مدرسون وعلماء عرفوا بعلمهم وإسهامهم في مجال علوم القرآن والحديث والفقه إضافة إلى الطبّ والصيدلة و الكيمياء والفلسفة...
مرّ التعليم آنذاك بعدّة مراحل وطوّر العرب المسلمون مؤسسات التعليم وتجاوزوا التعليم في المساجد وبنوا فضاءات خصصت للتكوين في علم الطبّ والصيدلة والكيمياء كبيت الحكمة برقادة التي بناها الأغالبة وتأثر بها الحفصيون الذين أنشأوا المدارس وكثّروها في أهم المدن التونسية كتونس القيروان.
أسس العرب المسلمون سنة (116هـ) جامع الزيتونة (Ayachi, 2003) وفتح للتعلم في جميع مراحل التعليم لاستقبال الطلبة من تونس ومن خارجها و تخرّج منه علماء شُهد لهم بالعلم (كالامام بن عرفة وابن خلدون).
لقد كان هدف المسلمين آنذاك نشر الرسالة الإسلامية وتعليم القرآن للأجيال المتعاقبة لكن الملاحظ يستنتج اهتماما بتربية الانسان و امتدادا إلى التكون والتكوين في جل مجالات الحياة الفكرية والعملية (Ayachi, 2003).
تأثر أحمد باي بعد زيارته إلى فرنسا بحركة الاصلاح التعليمي آنذاك وحاول الانفتاح على المعارف العصريّة فأسس مدرسة للتقنيات سنة (1840) ومدرسة حربيّة بباردو سنة (1855).
أدخلت على نظام التعليم الزيتوني إصلاحات شملت إعادة النظر في البرامج و الطرائق التعليمية بعد صدور قانون نوفمبر(1843 ) وشرّع تنظيم سير الدروس وتشريع قانون ( 1875)و أوليت مكانة لتدريس الحقوق والأدب إضافة إلى الجغرافيا و الرّسم الخطي والرياضيات و الهندسة المدنية والفلك إلى جانب العلوم الدينية والفلسفية كما حاول خير الدين التونسي(ق19) تجسيم إصلاح تربوي موفّق بين علوم الدين والدنيا (المليتي 2005).
هكذا تبدو في هذه الفترة محاولات تمحورت بالأساس في مأسسة التكوين والاهتمام بالاختصاصات المختلفة وتنويع الطرائق والاساليب التربوية المستوردة بصفة خاصة.
لقد كان تأسيس المدرسة الصاّدقيّة سنة(1875) على يد خير الدين باشا منطلقا لوضع برامج عصريّة متفتّحة على العالم و طرق تدريس متنوّعة كان للممارسة العملية هذه المرةحظ فيها .
سجل إذن ولأول مرة في تاريخ التربية والتعليم في تونس تخصيص شعب للآداب والعلوم القانونية واللغات الأجنبية والرياضيات والفيزياء والكيمياء كان الهدف منها تكوين نخب فكرية علمية بإمكانها الالتحاق بأوروبا لمواصلة البحث وإعداد الإطارات التي يتحتاجها أهل القرار آنذاك .
وفي هذا المستوى من التحليل يجدر بنا أن نذكّر بأننا عثرنا بالأساس في هذه الفترة الممتدة من العصر القرطاجي إلى الأيام التي سبقت انتصاب الحماية الفرنسية على ما يشير إلى اهتمام بالتربية وتكوين المعلمين في اللغة وفي علوم الدين والحياة إلاأن ما استوقفنا في هذا الفهم للأحداث هو سيادة نموذج تقليدي للممارسة وللمعارف كان المدرس أو المكون فيه ناقلا ممررا للموروث بين الأجيال ومتأثرا بتجارب الآخرين.
لم نظفر في حقيقة الأمر بخطاب صريح عن تكوين مهيكل خاص بالمعلمين إلا من خلال ما استنتجناه ضمنيا من اهتمام بمواد ومحتويات معيّنة (الآداب، اللغات وبعض العلوم ...) أو ما درب عليه طلاب تونس آنذاك من تدريس للقرآن الكريم وأصول نظرية في اللغة العربية.
فالمعلم هو الوسيط الاجتماعي المفوض لتمرير معرفة متعالية ،ثابتة تتمتع بقداسة خاصة والتعليم فعل تربوي غايته الأساسية آنذاك إدماج سريع في مجتمع الكهول رغم المحاولات التي شهدها التعليم الزيتوني وبالأ ساس المنهج التربوي الذي طبق بالمدرسة الصادقية)5 (187.
يستشف إذن من خلال ما اطلعنا عليه من وثائق ونصوص تشريعية تعود إلى هذه الفترة التاريخية التي اختصرناها للضرورة المنهجية حضور واضح لفعل تربوي مراع لقيم المجتمعات والحضارات التي مرت على تونس وعلى اهتمام متدرج بتكوين نظري غير مهيكل لحرفة التعليم في المرحلة الابتدائية .
وهنا يمكننا القول ألا يسمح لنا هذا الاستنتاج تعميما مؤقتا على الأقل مفاده أن تعلم التعليم لا يستوجب تكوينا مهيكلا بل يكفي أن تمرر المحتويات اللغوية والعلمية إلى المتكون فيكررها حتى يتشرب تقاليد الحرفة و"خيوطها" لتحصل له "الممارسة الحرفية ".
فإذا كانت هذه بعض صور الفعل التربوي والتكويني في الفترة التاريخية المختصرة سابقا فكيف تكون عليه نماذج التربية والتكوين الأساسي للمعلمين زمن انتصاب الحماية على تونس ؟
2- الفعل التربوي وعلاقته بالتكوين زمن الاستعمار الفرنسي بتونس:
نذكر في بداية هذا المقال أنه رغم المحاولات التطويرية للتعليم الزيتوني(1870) ورغم إعادة الهيكلة للمنهاج (1875)على أساس التكوين في العلوم التجريبية والرياضية لم يِؤكد على ضرورة اختيار الطرائق والأساليب الملائمة للتلميذ وللمادة التعليمية و على أهمية العمل بآراء المعلمين والتشاور معهم.
تزعمت مجموعة خيرالدين (1875) إصلاحا مستوردا فحاولت تحديث التعليم وتجاوز المثال الزيتوني الذي وصف آنذاك بالتقليدي التلقيني وبرزت بذلك شبه قطيعة أولى مع الموروث الثقافي وشرع في استيراد نماذج تربوية غربية ففتحت عشرون مدرسة فرنسية وإيطالية بتونس لاستقبال الراغبين من التونسيين في تعلم الطرائق الغربية.
انتصبت الحماية الفرنسية على تونس سنة (1881) وجاء معها منذ (1884) أول مشروع لمدرسة فرنسية لترشيح المعلمين تزامنت مع تعليم زيتوني محافظ على اللغة والدين أراد له الاستعمار منذ الأيام الأولى تهميشا "بدعوى التحديث".
لم تهدف الحماية في حقيقة الأمر إلى نشر التعليم من أجل أهداف تحديثية و إنسانية كما يروج الخطاب آنذاك و إنما كان لخدمة المصالح الفرنسية (Sraib, 1974)، لذلك لجأت إلى إيجاد أنماط و أصناف مدرسية تقوم على عزل نخبوي (Lycée Carnot) وعرقي طبقي ( تعليم أوروبي مسيحي وآخر يهودي).
لقد كانت وظيفة مدرسة الاحتلال ترسيخا للطبقية وطمسا لمكونات الهوية التـــــــــونسية ( اللغة، الدين و التعليم) رغم تراشح فكري دفع البعض لإعادة النظر في التعليم الزيتوني والعمومي وشعور بالتهميش والإقصاء حرّك المدّ الإصلاحي وأكسبه مزيدا من الوعي بالمسألة الوطنية في أبعادها الثقافية، الاجتماعية و التربوية.
لقد كان النموذج السائد في تكوين المعلمين آنذاك ما جاء مع مدرسة الترشيح الأولى سنة (1884) التي وظفت للتربصات و الدروس المثالية وللتنشيط من قبل ممارسين ذوي خبرة.
وهنا يمكن القول أنه لأول مرة في تاريخ تونس تبرز مؤسسة لتكوين مهيكل لمعلمي الإبتدائي ولأول مرة يعتبر التمفصل بين التكوين النّظري ( الأكاديمي) والتكوين الميداني العملي ( التربصات و ملاحظة الفصول) رغم تهميش للغة العربية واعتبار واضح للغة الفرنسية والمأسسة لتكوين المعلمين (institutionnalisation) كان الهدف منها فرنسة العقول .
لقد أبرزت لنا الوثائق التي عدنا إليها أن التكوين كان بالتداول مقتربا من النموذج العملي-النّظري حيث يحضر التلامذة-المعلمون المتربصون في الأقسام لتقليد الممارسين ذوي الخبرة وكان التعليم تمريرا للمعارف يقترب شيئا فشيئا من تجارب المدارس الجديدة (إيقاظ، معارف علمية، ملاحظة الأشياء...) ومفارقا للتعليم التقليدي.
لقد كان هدف الاستعمار الفرنسي إذن استصالا تدريجيا للرموز الثقافية التونسية وطمسا للهوية التونسية العربيةوالاسلامية (اللّغة ،الدين، التعليم) مارسته مؤسسات التربية والتكوين آنذاك (مدرسة الترشيح الفرنكفونية و معهد كارنو و مدارس الأقليات المسيحية والرابطة الاسرائيلية).
وأمام التهميش المتزايد لتعليم اللغة العربية تحركت بعض النخب للدفاع عنها و المناداة بتطوير طرائق تدريسها حيث وجدت البعض في ربط التعليم بالتكوين طريقة وظيفية لإضفاء بعد وطني وتحديثي يقدم تصورا جديدا ينسجم مع المشروع التحريري ويمكن الشباب من معارف متلائمة مع الانتماء الحضاري العربي الإسلامي ( المليتي، 2005).
3- الفعل التربوي وعلاقته بالتكوين الأساسي للمعلمين بتونس بعد الاستقلال:
- قبل التسعينات :
حاولنا التعرف إلى أهم التصورات السائدة عن التربية و التكوين الأساسي للمعلمين بتونس بعد استقراء الوثائق التاريخية والنصوص التشريعية الصادرة آنذاك فاستنتجنا أن دولة الاستقلال (1956) قدمت تصورا جديدا للتعليم والتكوين تأثر بالنموذج الأوروبي وانسجم مع مشروعها التنموي الحديث ومكن الخريجين من اكتساب معارف متلائمة مع الانتماء الحضاري ومع التطورات العلمية و الفكرية التي يشهدها العصر ومن محاولة التخلص من سلبيات الإرث الاستعماري ( Ayachi ,1997).
لقد اعتبرت دولة الاستقلال التعليم محرّكا أساسيا في عملية الاصلاح فعملت من خلال
قانون نوفمبر (1958) على تعميمه وتونسته وتوحيده (ابتدائي، ثانوي، عال) والعدول عن المدارس الدينية ...) وملاءمته مع الحاجة الوطنية المتأكدة للإطارات.
سعت تلك الدولة آنذاك إلى إصلاح البرامج و المناهج و إعادة صياغة المضامين والأهداف وربط محتوى التعليم بالظرف الثقافي والاجتماعي ودعوة المعلمين بالمدارس والمعاهد والمكونين بمدارس الترشيح إلى تطوير المستوى المتدني .
ولئن تمكنت دولة الاستقلال إلى حد ما منذ الخمسينات من القرن العشرين من إرساء نظام تعليم عصري ساهم نسبيا في تحديث البنى الاجتماعية والفكرية والقيم الثقافية فتخرج الأستاذ والمعلم والطبيب والمهندس، إلا أنه سجل جودة متواضعة وقصورا لدى المعلمين قد يفسره الانتداب المكثف آنذاك لسد للشغورات الحاصلة بعد خروج الاستعمار.
لقد مكننا تحليل الوثائق التاريخيةمن متابعة أكثر عمقا لمنظومة مدارس ترشيح المعلمين التي تواصل العمل بها بعد استقلال تونس إلى حدود التسعينات فكانت موردا فعليا لمواجهة الحاجة المتأكدة للمعلمين بالتعليم الابتدائي(Sraib,1974).
لقد كانت مدارس ترشيح المعلمين فضاء للتكوين الأساسي ولتهيئة المترشح طيلة ثلاث سنوات لاجتياز امتحان يمكنه عند النجاح من القيام بتربص ميداني ييسر له الاندماج في حرفة التعليم بالابتدائي.
يقضي الناجحون في السنة الثالثة سنة دراسية يتداولون فيها على المدرسة التطبيقية ويراوحون فيه بين التكوين النّظري في مجال علم النفس، التربية العامة والبيداغوجيا الخاصة وبين ملاحظة الفصول وتحمل مسؤولية التعليم نصف الوقت ويرافقهم فيه من حين لآخر مرشد بيداغوجي اختير من بين معلمين أكفّاء ويشرف على التربص متفقد أو متفقد جهوي نال حظا من علوم التربية أوكلت له مهمة المتابعة والتقييم المرحلي والنهائي للتكوبن الصناعي .
يؤمن التكوين النّظري في المواد العلمية واللغوية والاجتماعية أساتذة يناظرون أساتذة التعليم الثانوي العام في تكوينهم، في شهائدهم وفي ملامحهم فلا ينتدبون لقيمة مضافة فيهم أو لتميز عرفوا به Ben Ajmia ,1975)) وينشط المتربصين منشطون موهوبون عادة وبصفة منتظمة أسبوعيا.
اتجهنا في هذه القراءة التاريخية لتحليل منهج التكوين الأساسي بمدارس الترشيح زمن الاستقلال وبعد اصلاح (1958) قصد استخراج خصائصه والتعرف إلى مدى تحقيقه للأهداف المنشودة من تكوين المعلمين الجدد آنذاك فعرفنا أن برنامج التأهيل اشتمل على مواد مختلفة لخصناها في الجدول رقم (1) لعلها تكون منطلقا ييسر لنا نقدا مضيفا.
الجدول رقم (1):من عناصر منهج التكوين بمدارس الترشيح بتونس قبل التسعينات:
المادة المحتوى حجم الساعا ت كل مستوى
الفرنسية س1 س2 س3 س4
تعلم اللغة
س-1 للترغيب في المطالعة 5 5 5 5
العربية دراسة اللغة والنحو العربي 5 5 5 3
الرياضيات حساب دراسة المجموعات، الأعداد ،الإحصاء والاحتمالات 3 3 3 2
العلوم الفيزيائية فيزياء وكيمياء وخط تكوين نظري وعملي 2 2
التربية المدنيّة التربية على المواطنة 1 1 1 1
ثقافة دينية (الاعتقاد -تطبع بمبادئ الأخلاق الإسلامية بناء الشخصية على أسس دينية دراسة المذاهب الإسلامية
والفقهيّة دراسة القرآن و السنّة 2 2 2 1
التاريخ تاريخ تونس و المغرب العربي والعالم العربي 103س سنويا
الجغرافيا جغرافية تونس، المغرب، و العالم العربي ، الشرق الأوسط وبعض البلدان المتقدّمة. 104س سنويا
ما يمكن أن يستنتج هنا أنّ:
هذا التكوين الأساسي ومن خلال ما وصف من مواد ومحتويات وحجم زمني قد يضمن للمعلم الجديد ميلا معرفيا،أخلاقيا ومهنيا متناغما مع أهداف التعليم بالابتدائي ويوفر الأدوات والوسائل الضرورية لممارسة حرفة المربّي مستقبلا (Ben Ajmia et al,1975).
فهو إعداد يراوح بين الممارسة البيداغوجية وحضور الدروس" المثالية" نصف الوقت وبين التكوين النظري في اللغة العربية والفرنسية، ويجمع بين المواد العلمية التجريبيةوالانسانية (علم نفس الطفل التربية العامة والبيداغوجيا الخاصة) إضافة إلى المادة الدينية ( القرآن والتفكير الاسلامي) والمدنيّة كما يولي مكانة للجوانب الفنّية (الرسم والموسيقى والخط العربي) والتربية البدنية والرياضية.
جاء هذا التكوين الأساسي إذن بمنهج أكثر هيكلة وأولى أهمية لتأهيل عملي ونظري أخذ بعين الاعتبار بعض مقومات الهوية الهوية التونسية العربية والاسلامية وحافظ على اللغة الفرنسية وثقافتها تكريسا للتفتح على الآخر وانخراطا في حداثة آمنت بها نخبة تتلمذت في الغرب وقادت دولة الاستقلال منذ أيامها الأولى.
ولئن كان للتكوين بمدارس الترشيح التونسية سابقا بعض القيم المضافة ( مكانة معتبرة لعلم النفس والتربية العامةوللتربص) إلا أنه سجلت بعض الهنات التي نسبها له الباحثون والمتابعون للإصلاح التربوي الذي عرفته الأنظمة التونسية من أهمها ما جاء في تقرير أعدّه (BenAjmia et al , 1975) حول التكوين الأساسي للمعلمين بمدارس الترشيح آنذاك وصف فيه تجربة أفرزت :
- نمطا تقليديا تقدم به دروس تمررتمريرا عموديا
- قدرة محدودة على استعمال اللغة الفرنسية مشافهة وكتابة
- ثقافة اجتماعية محدودة (علاقات غير ثريّة) بين المكونين و بين التلاميذ
- إعدادا مهنيا غير كاف تميز ب(قدرة محدودة على استعمال الوسائل)وتربص يخضع لدغمائية وتطبيق دون تحليل ودونإقناع).
وفي هذا المستوى من التحليل لتاريخ التكوين الأساسي للمعلمين في مدارس الترشيح بتونس وبعد هذه القراءة السريعة الموجزة يستنتج المحلل تكريسا لنموذج تطبيقانوي (applicationniste) وأولوية للتمرير والتلقين إضافة للتبعية الجلية للنموذج الفرنسي رغم محاولات التوفيق و التمفصل بين النظرية والممارسة .
لقد سادت إذن إلى أواخر الّسبعينات (70) بيداغوجيات معيارية مؤسسة على نموذج تمرير و محاكاة وتواضع التكوين في المواد الأفقية (التربية العامة وعلم نفس الطفل) على حساب اللغة الفرنسية والمواد الأخرى مما ساعد على تخرج معلمين ممررين للمعارف مزدوجي اللسان ومتأرجحين بين كل من النموذجين الفرنسي والتونسي العربي.
ولنا أن نتساءل هنا بم يمكن أن تفسّر هذه السلبيات الموصوفة في التكوين الأساسي الذي تابعه الترشيحيون آنذاك؟
قد يفسر بما كان عليه الوضع الاجتماعي والاقتصادي آنذاك من فقر مدقع و جهل منتشر في بلد خرج حديثا من وصاية الحماية عليه ،إضافة إلى تزايد الطلب الاجتماعي على التعليم سدا للشغورات المتزايدة للإطارات في مختلف دواليب الدولة واستجابة لتمدرس مكثف (Dahri, 2005) .
كل ذلك لم يوفر الزمن الكافي للتفكير المتأنّي والعميق في مسألة التكوين المهني الأساسي للمعلمين آنذاك ولم يوفر فرصة للتقييم والنقد للنماذج المعتمدة وللمناهج الموظفة.
ومهما يكن من أمر ورغم هذه الصعوبات والعوائق انتشر التعليم الأساسي في البلاد التونسية وأصبحت للمعلم مكانة اجتماعية إيجابية (تحمل مسؤوليات في الجهاز الإداري) إلى حدود السبعينات ( 1970) تقريبا واسترجعت المدرسة موقعا متميزا جعل منها العامل الأساسي في نجاح التلاميذ ودفع الحراك الاجتماعي (Hamza, 1992).
فهل يرى التكوين الأساسي في فترة ما بعد التسعينات (90) منحى جديدا؟ فيتوفر له التفكير والتأمل في الأولويات(تخريج معلمين أكفّاء متأملين مستقلين في قرارهم وقادرين على تحمل مسؤولياتهم في الحد من الفشل المدرسي )؟
4- الفعل التربوي وعلاقته بالتكوين الأساسي للمعلمين:
- بعد التسعينات (90):
لمعرفة ما ميز التصور للتربية وللتكوين الأساسي للمعلمين في فترة ما بعد التسعينات بتونس انطلقنا من تحليل مختلف الوثائق والنصوص التشريعية ذات المضامين الاجتماعية والتاريخية المتضمنة للخلقيّات والمرجعيات المبرزة لتحولات الخطاب التربوي ولأنماط الوعي بالمسألة التعليمية التعلّمية .
حاولنا ذلك فوجدنا إجماعا لدى المتابعين والباحثين على ضرورة الاصلاح التربوي الذي صدر سنة (1991) بسبب التراكمات التي شهدتها الثمانينات (80) والتحولات الاجتماعية والسياسية العميقة التي مرت بها البلاد آنذاك والتي من أهمها :
- تنامي ظاهرة التسرب المدرسي والجامعي: سنة (1981) حيث سجلت نسبة رسوب (66,61%) من تلاميذ السنة الأولى ثانوي) (2005Dahri,).
- بروز ظاهرة بطالة حاملي الشهادات العليا وبصفة خاصة حاملي الأستاذية في الحقوق والاقتصاد والتصرّف.
لقد كان لهذه التحولات الأثر الواضح في إثارة نقاش حول أدوار أخرى لمدرسة تحدّ من التهميش و التشتت، وفعلا ذاك هو ما تمخّض بعد تأمل وتفكير من صوغ لقانون للنظام التربوي الذي صدر في جويلية (1991) أكّد على :
- إنماء الترشد الذاتي لدى المتعلم
-تنمية المسؤولية والحس المدني لديه
-دعم التفتح على الحداثة والثقافة الكونية
-وإنماء الوعي بالهوية الوطنية التونسيةلدى كل تلميذ
- اضطلاع المعلم بمهمة التربية والتعليم
-وإسهامه في تطوير البرامج وتنشيط الحياة المدرسية
- ضمان المدرسة لتعليم جيد للجميع
وعلى هذا الأساس وفي هذا الاتجاه اتخذت إجراءات شمل الأول هيكلة النظام التربوي وتنظيمه وتعلق الثاني بمسألة التكوين الأساسي والمتواصل للمعلمين .
في الحالة الأولى صدر تشريع تعلق ب :
- إرساء التعليم الأساسي الاجباري من ست سنوات إلى ستة عشرة سنة
- مراجعة عميقة للمحتويات المتعلقة بمختلف مواد التعليم
- إيجاد تناغم بين المواد وإضفاء نفس أهمية للمحتويات العلمية والانسانية
أما الاجراء الثاني المتعلق بمسألة تكوين المعلمين فتمثل في :
إحداث المعاهد العليا لتكوين المعلمين (ISFM) سنة (1991- 1990) واعتبارها بديلا ووريثا لمدارس الترشيح.
لقد مكنتنا العودة إلى النصوص التشريعية (القانون التوجيهي المتعلق بفتح بالمعاهد العليا لتكوين المعلمين لسنة(1990) والقانون المتعلق بتنظيم التكوين بها لسنة (1991)عدد (1871) من المعلومات التالية :
تدوم فترة التكوين الأساسي سنتين للموجهين من شعب الباكالوريا حيث تخصص السنة الأولى لتكوين نظري عام يشمل مواد العربية، الفرنسية، الرياضيات، الفلسفة، الجغرافيا، الفيزياء، العلوم الطبيعية، التفكير الاسلامي، التربية المدنية، التربية التقنية، التربية الفنّية، الخط العربي،والموسيقى) إضافة إلى مادة الفلسفة ومادة علوم التربية والتربية البدنية التي تعد شرطا أساسيا لدخول تلك المعاهد.
أما السنة الثانية من التكوين الأساسي فهي فرصة للتداول بين المعهد حيث يتابع التلميذ- المعلم بالمعهد دروسا مسيرة في ( اللغة العربية والفرنسية والعلوم الطبيعية والفيزياء والتربية المدنية والتاريخ والتربية الفنية والبدنية) وبين فضاء التربص الميداني في فصول المدرسة الابتدائية حيث يلاحظ ضمن فريق محدود العدد أنشطة بيداغوجية ينجزها معلم مكون يساعدهم على التعليم تدريجيا ممارسة بفصل من فصول المدرسة الابتدائية.
سارت المعاهد العليا لتكوين المعلمين بتونس وفقا للنصوص الصادرة في الغرض إلى حدود سنة (95) ثم أعيد النظر في بعض المسائل المستجدة والمحتويات المتعلقةبالمقاربة بالكفاياتو ما رافقها من تأكيد على التقييم التكويني.
أجريت بين سنتي(2002) و(2005) مراجعتان للتكوين ولنظام الدراسات والامتحانات (قانون نظام الدراسات والامتحانات 2002 وتعديل 2005) ترجمتا ما أكدت عليه بعض فصول القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي والخطة التنفيذية للإصلاح التربوي آنذاك فشملت الآليات التالية:
- إعداد شبكة المواد المقررة و التوقيت المخصص لكل مادة والضارب المسند لها.
- إدراج مادتي اللغة الإنجليزية وتكنولوجيات الاتصال والمعلوماتTIC))
واعتبارهما إجباريتين واختياريتين في الآن نفسه .
- إدراج برنامج يخص التربية قبل المدرسية.
- بناء البرامج وفق التصورات الحديثة للتكوين.
- تأكيد على اعتماد المقاربة بالكفايات والبيداغوجيا الفارقية وبيداغوجيا المشروع أثناء تدريب التلامذة المعلمين على المهنة.
- تعزيز مكانة الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية.
في هذا المستوى من القراءةالتحليلية لتاريخ الفعل التربوي وسيرورة التكوين الأساسي للمعلمين بتونس في فترةما بعد التسعينات يمكن القول أن المنظومة التربوية والتكوينية قد شهدت تغييرا هيكليا أكد على تمحور العملية التربوية على المتعلم وشّّّرّّع لمواكبة مستجدات العصر (لإدراج تكنولوجيا المعلومات والاتصال ودعم تدريس اللغة الانجليزية وتخصيص وحدات اختيارية في التربيةما قبل المدرسية) .
أمكننا في خاتمة هذه القراءة التاريخية في التصورات للفعل التربوي وللتكوين الأساسي استنتاج مكانة أفضل للتربية وللتعليم والتكوين موقعا مناسبا في السياسات التي عرفتها تونس عبر العصور رغم شيوع مهنيات تقليدية هدفها نقل الإرث الثقافي والاجتماعي من جيل إلى آخر..
فالمعلم هو الوسيط الاجتماعي المفوض للمحافظة على قيم المجتمع وهو الذي أوكل إليه تعليم القرآن وعلومه منذ الفتح العربي الإسلامي وهو الذي أمن تدريس اللغة العربية حتى في ظروف الاحتلال.
يلاحظ المتأمل المتعمق في المسألةكذلك بروز للاهتمام بتكوين أساسي مهيكل منذ فتح مدارس الترشيح, كان عاملا أساسيا في إعداد إطار تربوي من المعلمين الممررين للمعارف أو المطبقين لبعض النظريات والروتينات الموروثة.
مكنتنا القراءة التحليلية للمصادر والمراجع التاريخية من إبراز هيكلة ضمنية وصريحة للخطاب التربوي وأتاحت لنا التعرف إلى ما كمن من مرجعيات نظرية وخلفيات وراءه.
سجلنا إذن من خلال هذه اللمحة التاريخية تمسكا بالمقدس (الدين المسيحي والإسلامي) رافقه تمرير للغة ( اللاتينية والعربية) وتأرجحا بين القطيعةوالتبعية الوافدة جسمها الفعل التربوي الممارس عبر العصور وكرستها نمادج تكوينية مضمرة وصريحة وضعت التنظير والتلقين في المقام الأول رغم المحاولات التي همشتها التبعية للمستعمر وللمستورد من هنا وهناك .
وما دمنا نبحث في مسألة معقدة (أثر التكوين في التصورات للحرفة وفي رسم الهوية المهنية لمدرس المستقبل) يجدر بنا اعتماد مقاربة فهمية للسياق (Guezguez , 2001) عسانا نستبق الصلات التي يمكن أن يقيمها التلامذة-المعلمون-المتربصون مع المهنة ومع المعلمين ومع المؤسسة ومع الذات Gohier et al, 2001)) في المحور الموالي.
II- سياق التكوين الأساسي للمعلمين بتونس:
فتحت المعاهد العليا لتكوين المعلمين بتونس وأغلقت مدارس الترشيح بعد صدور القانون التوجيهي رقم (1870) في شهر نوفمبر لسنة (1990)الذي تلاه تشريع (1991) لتنظيم الدراسة بها .
انطلقت تلك المعاهد في تكوين أساسي بالتداول يتابعه تلامذة-معلمون حاملون لشهادة الباكالوريا في الآداب و العلوم والرياضيات والتقنية والاقتصادوالتصرف حيث يقضي الموجهون إلى هذه الشعبة والناجحون في اختبار تقني نفسي سنتهم الأولى في تكوين نظري يشمل المواد اللغوية (العربية والفرنسية والانجليزية التي أدرجت سنة 2002) إضافة إلى مواد علمية (علوم طبيعية ورياضيات) ومواد اجتماعية (التاريخ والجغرافيا ،التربية المدنية ،التربية الإسلامية).
يمارس هؤلاء أنشطة عملية مدعمة بتكوين نظري يتعلق بمجالات تقنية ، تكنولوجية وفنية كالإعلامية (2002)والموسيقى والتريبة التشكيلية(الخط العربي) والتربية البدنية ويتابع التلامذة المعلمون طيلة السنة الجامعية الأولى تكوينا نظريا في فلسفة التربية وعلومها بمعدل ساعتين لكل مادة أسبوعيا.
وهنا تجدر ملاحظة ما يلي :
- تعديل هذا التكوين الأساسي المخصص للسنة الأولى والذي حددته القوانين المنظمة للدراسات (1991) بعض فصوله سنتي (2002) و(2005) بعد صدور الخطة الوطنية للإصلاح التربوي 2002-2007 الملحة على ضرورة التمهين لحرفة التعليم بالابتدائي ومواكبة التجديد البيداغوجي مما ترتب عليه إضافة مادتي الإعلامية والانجليزية.
- غياب واضح للتكوين العملي المتمثل في التدرب على ممارسة حرفة التعليم في فصول بالمدرسة الابتدائية منذ السنة الأولى .
-إيلاء أهمية محدودة للمواد الأفقية المنظرة للفعل التربوي( ما عدا مدخلي الفلسفة وعلوم التربية ).
سار هذا التكوين المخصص للسنة الأولى ودام خمسة عشر سنة تقريبا مؤكدا على جوانب نظرية بالأساس ومهمشا لممارسة متدرجة للحرفة كانت مطلبا ملحا من قبل جل التلامذة المعلمين الذين تابعونا في التربص الميداني الذي أوكل إلينا الإشراف عليه طيلة عشر سنوات تقريبا.
هذا بالنسبة لطلبة السنة الأولى أما الناجحون والمرتقون إلى السنة الثانية فقد كان حظهم من التكوين العملي أوفرفهم الذين يتداولون ويراوحون بين المعهد ومدارس التطبيق لمتابعة دروس نظرية علمية، لغوية وتربوية إلى جانب تكوين عملي تعليمي يؤمنه المكونون (معلمون مكونون، مساعدون، متفقدون مديرو تربص ومدير ومدارس تطبيقية) .
يتابع التلامذة-المعلمون المتربصون دروسا مسيرة في فضاء المعهد الأعلى يؤمن تدريسها أساتذة التعليم الثانوي الملحقون بالتعليم العالي والمختصون في اللغة (العربية والفرنسية والأنجليزية) في العلوم التجريبة والصحيحة (الرياضيات ،العلوم الفيزيائية، الإعلامية) إضافة إلى مادة التربية البدنية ومادة التربية التقنية التي حذفت من منهج السنة الثانية بعد صدور قانون تعديلي للدراسات سنة (2002) أضيفت بمقتضاه مادتان اختياريتان كالإعلامية والتربية قبل المدرسية.
خصصت المعاهد العليا منذ انطلاقها حجم سّت ساعات أسبوعيا لتكوين نظري في (تعلمية المواد والتربية العامة وعلم نفس الطفل والتراتيب المدرسية ) أوكلت إلى المتفقد مدير التربص الذي يشرف على العمل الميداني و يقيمه.
يلاحظ من خلال النصوص التشريعية المنظمة للدراسات والامتحانات (2002-2005) على توجه بنائي للمعارف وتأكيد واضح على مكانة متميزة لتعلمية المواد ولتحليل الوضعيات التعليمية-التعلمية اللتين احتلتا حجما زمنيا مرموقا مقارنة بالمواد الأخرى يفسره تنامي البحوث المنضوية ضمن البراديقم الديداكتيكي أوائل التسعينات من جهة وصدور القانون التربوي (91) الذي دعا إلى تمحور العملية التربوية على المتعلم من جهة أخرى.
هكذا يبدو إذن أن التكوين الأساسي بالسنة الثانية:
- يختلف عن التأهيل بالسنة الأولى الذي سادت فيه المحتويات النظرية وغاب فيه الجانب العملي.
- احتل التربص التطبيقي حجم عشر ساعات أسبوعيا ومُنح أرقى ضاربشمل التدرب على التعليم في الدرجات الثلاثة بفصول السنوات التالية: الأولى، الثانية، الثالثة،الرابعة الخامسة،السادسة) باللغة العربية والفرنسية.
لقد كانت الحلقات التدريبية موزعة بين العربية والفرنسية مراعية للنسب التالية:
احتل الزمن نسبة)70(% من الزمن الحقيقي للتربص لتعلم الحرفة بفصول تدرس فيها اللغة العربيةونسبة (30 (%منه لتعلم الحرفة بفصول تدرس فيها اللغة الفرنسية .
يتابع كل تلميذ-معلم-متربص أنشطة مختلفة، متعددة المجالات وموزعة إلى ثلاث حصص ذات ساعتين أسبوعيا يؤطره فيها معلم مكون ويرافقه في ذلك مساعد بيداغوجي تارة بالعربية وأخرى بالفرنسية ويقيمه في نهاية كل سداسي متفقد مدير تربص معتمدا في ذلك شبكتين، تخص الأولى ملاحظة روتينات بيداغوجية أساسية تتعلق بالإعداد والانجاز والتقييم وتهتم الثانية أساسا بالمواقف والتصرف في الفصل وفي المادة المدرسة(الملاحق رقم (1)،(2) و(3) الخاصة بشبكات الملاحظة والتقييم المعتمدة في التربص بالمعاهد العليا لتكوين المعلمين بتونس).
يمكن هذا التربص بمدارس التطبيق من الاندماج التدريجي في عالم الفصل وعالم المدرسةويدعى التلامذة-المعلمون في هذه الحصص إلى الملاحظة المتدرجة الشاملة، التحليلية والموجهة نحو التأمل والتفكير في الممارسة بعد كل تجربة يعيشها المتدرب.
تيسر الاحتكاك بأصناف مختلفة من المعلمين الذين يتابعون المتعلمين في تعلمهم وتفسح لهم المجال للتبادل حول آليات تنظيم المادة وتنظيم الفصل.
تمكن تلك الملاحظة المتدرجة من الممارسة التعليميةومواكبة الفترات الكبرى كأيام العودة المدرسية والاندماج الأولى لتلاميذ السنة الأولى، والامتحانات الثلاثية) ومحطات الشراكة في مشاريع الفصل و/أو المدرسة (كزيارات ميدانية، الرحلات التربوية والترفيهية مع المتعلمين...).
لكن قد يجد هذا التلميذ-المعلم- المتربص نفسه أمام واقع يفرض عليه التدخل في تعليم تلاميذ ليسوا تلاميذه،والانتقال من فصل إلى آخر ومن مستوى إلى آخر وهو أمر قد لا يسرع نسق استقلاليته و مسار مسؤوليته.
يجري المعلم المكون في كل فترة رافق فيها متربصا تقييما بيداغوجيا ويعد تقريرا إلى المتفقد مدير التربص الذي يطلع عليه ويأخذه بعين الاعتبار في التقييم النهائي.
يتحرك التلامذة المتعلمون اذن في سيا ق تكويني ويتفاعلون مع الموارد التكوينية التي يوفرها جهاز التأهيل بالمعاهد العليا يوضحها المخطط السياقي التالي رقم (01)
الخطاطة رقم(01): المخطط الدينامي لسياق التكوين الأساسي للمعلمين
بالمعاهد العليا بتونس
نستنتج من خلال محاولات فهم النصوص القانونية التوجيهية للتربية والتكوين بالمعاهد العليا وبعد اطلاع على مخططات التكوين وتحليل ممارسته خطابا يدعو لتمهين الحرفة وسعي لممارسة تأهيل ميسر لرسم ملامح معلم متأمل مسؤول باحث عن الجودة ساع لمواكبة التجديد البيداغوجي أكدته أصداء تقارير:
- الندوة الوطنية الأولى للمعاهد العليا لتكوين المعلمين قربة (2002) حول جدليةالنّظري والتطبيقي في تكوين المعلمين.
- الندوة الوطنية الثانية للمعاهد العليا ( سوسة 2003) حول المقاربة بالكفايات.
- الندوة الوطنية الثالثة للمعاهد العليا( الكاف 2004) حول تكوين مربي مدرسة الغد ومتطلبات المستقبل.
- الندوة الوطنية الرابعة للمعاهد العليا (سبيطلة2005 ) حول البيداغوجيا الرقمية والتعلم الذاتي.
فإذا بدا هذا التوجه نحو الحاجات المتأكدة للإصلاح وجيها و ناجعا فهل يمكن أن نتفاءل في مخرجات تصف ملامح معلم مهني يميل إلى التأمل و الترشد والمسؤولية والتجديد في سياق تنحسر فيه الشراكة الفاعلة بين أستاذ بالمعهد يدرس نظريات لا يقف على تمفصلها بالمدرسة ومعلم مكون لا ينّظر ممارساته؟
ذلك ما جاء في تقرير الخبرة المتعلق بوضع التكوين بالمعاهد العليا بتونس الذي أعدّه الباحثان (ديفلاي وآلتي Develay et Altet) في شهر جوان (2004) من تصورات عبرت فيها عينة من التلامذة - المعلمين عن :
- تناغممحدود بين المحتويات العلمية واللغوية المدرسة بالمعهد وبين التعليم بالفصول غياب اهتمام محدود بالدروس النظرية لغياب الدافعية.
- شعور بعدمالتقدير لهم من قبل بعض الأساتذة -المكونين.
- شعور بنمطية روتينية في التكوين النظري واعتماد محدود للتأمل والتحليل للوضعيات التعليمية -التعلمية .
كذلك برز في تقرير الخبرة تفاؤل محدود في قدرة التكوين الأساسي على تخريج معلمين أكفياء قادرين على تحمل المسؤولية التربويةرغم الإصلاحات المتتالية للنظام التربوي والتكويني وبعض الآثار الإيجابية للتربص (معارف، مهارات، مواقف) إلا أن الحاجة تبدو ملحة لمتابعة أثر تكوين أساسي يطمح إلى تمهين وتطوير أكثر طموحا (الخطة التنفيذية للإصلاح التربوي (2002 -2007)).
تعتبر المسألة التربوية بأبعادها العميقة المتعلقة ببناء الهوية وإعداد الأجيال لمستقبل سريع التغير والتجدد من أهم ما تهتم به الدراسات الانسانية والاجتماعية المعاصرة.
لذلك اهتمت البحوث التربوية منذ أواخر القرن الماضي بدراسة الفضاءات المدرسية وبالعملية التعليمية- التعلّمية وأولى المتابعون عنايتهم بالنّظريات والتجارب التي تبنتها المؤسسات.
لكن ما يمكن استنتاجه بعد قراءة مسحيّة للأدبيات التربوية إلى حدود الستينات على الأقل هو غياب الاهتمام بالبحث في مسألة التكوين الأساسي للمعلمين العاملين بالمدرسة الابتدائية رغم تخصيص فضاءات للتأهيل والإعداد التربوي منذ القرن الماضي .
لقد عبّر (2005 ,Dahri) عن نقلة في البحوث برزت في الستينات ، أولت اهتماما بتربية الكهول بصفة عامة وتكوينهم تكوينا يشمل المعارف والمهارات والمواقف واعتبرته جزءا من حلّ لمواجهة التطورات الديمغرافية، والاقتصادية والايديولوجية التي فرضت نفسها على المجتمع العالمي (Prestini-Christophe, 2005).
ساد هذا الاتجاه لتكوين الكهول العاملين جلّ المؤسسات الاقتصادية والتربوية وغدا منذ الستينات فعلا تربويا ودافعا للتفكير والتأمل في أهدافه ومحتوياته وطرائقه.
ذلك ما وصفته أعمال كل من (Knowles,73) وLesne,77)( الذين اقترحا مفهوم الاندراغوجيا ونماذج للتكوين وما جاء في دراسات كل من ( Malglaive, 90)
و(Bourgeois et al, 96) الذين نادوا بالتمفصل بين النّظري والعملي في تكوين الكهول واعتبار بنائية تعلمهم.
لقد أضحت مسألة تكوين الكهول و المعلمين منهم بصفة خاصة إشكالية بحث فعلي على إثر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية للسنوات (70 و80) التي عرفتها أوروبا والولايات المتّحدة بسبب تنامي البطالة وانحسار تشغيل أصحاب الشهادات إضافة إلى تزايد الطلب الاجتماعي للتربية والتي أفرزت بدورها أزمة ثقة في التربية (Coombs, 89) ومنطلقا لاحتجاج الطلبة (ماي 68 بفرنسا) المطالبين بتعليم يمنح حراكا اجتماعيا وتفتحا يضمن عيشا كريما (2005Dahri, ).
لقد كانت تلك الاحتجاجات وغيرها دافعا حقيقيا لتطوير البحث في إشكالية تكوين الكهول من المربّين قبل الانتداب وبعده وعاملا أساسيا في الاهتمام بهذه الفئة الاجتماعية في مجتمعات حديثة تنشد التطوّر والتمهين لحرفة تستوجب اهتماما بالأبعاد السيكولوجية والاجتماعية والمعرفيّة في شخصية المعلم.
عرفت على إثرها العقود الأخيرة محاولات إصلاح مختلفة وجدلا طويلا ونقاشا ساخنا حول التربية وغاياتها بسبب التحولات السريعة التي فاجأت المجتمعات والتنافس الشديد بين الدول على الأخذ بناصية المعارف التي أضحت رهانا من الدرجة الأولى .
لذلك وجدت المدرسة نفسها مدعوة أكثر من أي وقت مضى لتحسين أدائها و للإسهام في رفع التحديات الداخلية والخارجية المطروحة بفعل التغيرات المتسارعة (انفجار المعارف، تطور التمدرس...) التي تشق المجتمع الانساني، عساها تكون قادرة على منافسة المعايير العالمية وتخريج المواطن القادر على الانصهار في مجتمع متغير على الدوام .
لذلك تعالت الصيحات المنادية "بإعادة النظر في التكوين و الدعوة إلى تأهيل حاث على التأمل ومؤكد على الانتباه لمسألة بناء الهوية المهنية للمعلمين."(Anadon et al, 2001) .
لقد وجهت أصابع الاتهام إلى المدرسة و نقدت وساطة المعلمين "لعجزهم على مواكبة العصر" و تنامي نسب الفشل المدرسي في البلدان النامية أساسا، ومن وراء ذلك المؤسسات الموكول إليها تكوينهم ( قوتيي 97Gauthier et al, ).
ذلك ما جاء في خطاب (Brau-Anthony et al, 2005) من وصف لتقارير صحفية، اجتماعية وتربوية جمعت وجهات نظر مؤكدة على هنات ونقائص عديدة أفرزها التكوين الأساسي بالمعاهد الجامعية لتكوين المعلمين بفرنسا.
هذا ما أكده التقرير الذي رفعته اللجنة الدولية المهتمة بالتربية في القرن الواحد والعشرين برئاسة )جاك ديلورDelors, ( والمضمن في مؤلف بعنوان (التربية ذلك الكنز المكنون1996).
يمكن القول بعد هذه اللمحة التاريخية أن البحث في مسألة التكوين الأساسي المهني للمعلمين أصبح ضرورة عساه يواكب تنامي الانتظارات ويواجه تعقد حرفة التعليم في عالم تعددت فيه مصادر المعرفة وقنوات التأثير في المعلم ،في التلميذ وفي المعارف.
يتمثّل التّحدي الجوهري الذي تواجهه مختلف الأنظمة التربوية في تكوين معلمين مهنين (Enseignants professionnels) قادرين على التأمّل والتحليل (التمفصل النّظري- العملي) على تحمّل المسؤولية، على أخذ القرار المناسب وعلى التجديد والمواكبة (Paquay, 98) وفي تمهين للحرفة مستجيب لطلب اجتماعي يلح على تبني نماذج تأهيل تلح على بناء المعرفة وإنماء كفايات مهنية Simbagoye, 2007)).
وهنا يمكن أن نشير أن تونس سعت إلى الانخراط في هذا الميل للتمهين وهذا التحسس للجودة الذي تبحث عنه الأنظمة التربوية الغربية بعد أزمة الستّينات وأن الحلول المقترحة (غلق مدارس الترشيح،و فتح المعاهد العليا لتكوين سنة 91) طورت نسبيا مردودية النظام التربوي إلا أنها لم تمكن مختلف الأطراف الاجتماعيين من إجابة مقنعة لانتظاراتهم .
لم تتمكن المنظومة التكوينية من تحقيق الأهداف حتى بعد صدور النصوص التشريعية (القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي) 2002) ورغم تأكيد المتابعين على "إعادة الاعتبار لمهنة المعلّم وتحسين مهاراته وضمان تكوين عام متين ومتنوع مسهم في بناء كفاية مهنيّة تمكنه من مواكبة التطورات البيداغوجية (تقرير لجنة اليونسكو) 1996) Unesco p (91)).
لازالت خطوات التكوين الأساسي للمعلّمين بتونس بطيئة ولازال البحث المتابع للجودة محدودا رغم الدعوات المنادية بتمهين التعليم (الخطة التنفيذية للإصلاح التربوي، (2002-2007) ) وإيلاء أولوية لتطوير أنماط التفكير والتأمّل وإنماء روح المسؤولية والتّرشّد الذاتي ومواكبة التجديد البيداغوجي.





هذه المقالة من موقع المركز الوطني للوثائق التربوية
http://ara.cndp-dz.org

عنوان هذه المقالة هو :
http://ara.cndp-dz.org/article.php?storyid=68