ما كان حلما بالأمس القريب أصبح حقيقة اليوم، فلِمَ لا يكون حلمنا اليوم حقيقة غدا ؟ إنّ التطور المذهل لوسائل الإعلام والاتصال، والقفزة النوعية التي تشهدها التكنولوجية الرقمية كفيلان بالإجابة عن هذا السؤال.
لقد مرّ التعليم في الجزائر على غراره في العالم بمراحل مختلفة، مرتكزا على المحاور الأساسية لعملية التعلم والتعليم التقليدية: (المعلم، المتعلم، المادة التعليمية) سواء بملازمة التلميذ أحد العلماء لفترة معينة، أو بتردده على حلقات الأئمة والعلماء بالمساجد ودور العلم، أو مزاولة الدروس بمدارس مهيكلة خصيصا لهذا الغرض.
إن فلسفة التواصل الاجتماعي مبنية على تطور لغات الشعوب، و تدفق المعارف وتداخل الثقافات، وحوار الحضارات المدعوم بحرية الفكر وخصوبة التفكير. و التواصل ظاهرة طبيعية تستمر وتتجدد بفعل النشاط الإنساني، و تفاعل الأفراد الدائم مع المحيط، و توافق الأهداف والقضايا المشتركة. ولا ريب أن الانتماء للحياة الاجتماعية مرهون باكتساب المعرفة بوصفها أساس الترقية الفكرية وسمو روح الإنسان، علما أن التواصل الفكري يتغذى بالمؤثرات الاجتماعية ،وينمو بالاتجاهات الثقافية و ينضج بالتشابك مع أساليب التربية والثقافة، و يرقى بالاستغلال الأمثل لوسائل الإعلام والاتصال.
إن التطور المذهل لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، كالحاسوب والانترنيت ووسائطهما، والدور الذي تلعبه في حياة الفرد والمجتمعات... والذي حوّل العلاقات بين الناس كما حوّل طبيعة العمل وسيرورة الإنتاج وطرق الاستهلاك، استدعى أن تأخذه بعين الاعتبار و بجدية السياسات التربوية بصفة عامة والنظم التربوية في مناهجها الدراسية بصفة خاصة. وقد قطعت الدول المتقدمة أشواطا كبيرة في مجالات استخدام الحاسب الآلي والانترنيت في التعليم، سواء فيما تعلق باستخدامهما كمادة تعليمية ضمن مناهج التعليم العام أو باستخدامهما في إدارة العملية التعليمية أو كوسيلة تعليمية/تعلمية. وامتد هذا الاهتمام في السنوات الأخيرة إلى الدول العربية، فقام بعضها بإعادة النظر في مناهجه وبنائها على أساس هذا التوجه، مع إدراج تعلم تكنولوجيات المعلومات والاتصال في المناهج الدراسية مما يؤقلم المتعلمين معها ويمكنهم من استخدامها في تعلماتهم، كما قام البعض بإنشاء مؤسسات قائمة بذاتها لهذا الغرض - مراكز تكنولوجيات المعلومات والاتصال -، و هناك مشاريع تقوم بها بعض هذه الدول في هذا المجال ولها تجارب رائدة كالأردن والمملكة العربية السعودية ودولة البحرين والمملكة المغربية . وما يؤكد هذا التوجه، أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في مؤتمر وزراء التربية العرب المنعقد في الجزائر سنة 2002 ألحت عليه وأكدته في توصياتها، فهي تدعو الدول العربية إلى:
ليس من مجانبة الصواب الاعتبار أن إدماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال في المناهج التعليمية الجزائرية يعد بمثابة أحد الميكانيزمات المتضمنة في إستراتيجية الإصلاح التي تهدف في غاية ما تهدف إليه إلى عصرنة المنظومة التربوية، و ترقية أدائها بما يجعلها حرية بالاستجابة لمتطلبات العصر وميول الناشئة المتعطشة للمعارف الجديدة والتكنولوجيات الحديثة. وهو دون شك خيار صائب لأكثر من اعتبار، منها على وجه الخصوص:
على الرغم من المستجدات البيداغوجية الجريئة التي أتى بها إصلاح التربية عامة و إدخال المقاربة بالكفاءات في نظام المناهج خاصة، إلا أن واقع التعليم مازال يتطلب ضرورة إمعان النظر في الكثير من الممارسات والنظم والآليات لتجسيد الرؤى والمفاهيم التي يطمح إليها نظامنا التعليمي.
ومن بين ما تطمح إليه مختلف النظم التربوية المتقدمة هو تمكين المتعلم من قدرات الاعتماد على النفس في مجال التعلم الذاتي أو التمكن مما يسمى بتعلم التعلم. ذلك لأن المعارف أصبحت متوفرة عبر الشبكات المعلوماتية بل وأصبحت تتجدد عدة مرات طوال العمر ولا يستطيع أي نظام تعليمي من مواكبتها وتحيينها بالسرعة المطلوبة لدى الدارسين أو المتخرجين.
ومما يزيد من حاجة "التعلم الذاتي" هو استمرار مراحل التعليم المختلفة في تخريج أجيال بأكملها باعتماد التلقين والحفظ ولم يتعود الكثير من المتخرجين على الجرأة في التفكير وإبداء الرأي و الخروج عن المألوف، مما أدى إلى التخلف عن مسايرة العصر والتقدم التقني والتكنولوجي الذي يحدث في عالم اليوم، ذلك فضلا عما نلاحظه من ظواهر سلبية مثل كثرة لجوء الطلبة إلى الدروس الخصوصية.